أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه، فلم يزل يتمادى بي، حتى اشتد بالناس الجد، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه يوم الخميس - ولقلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إذا خرج في سفر، إلا خرج يوم الخميس - وأنا لم أقض من جهازي شيئًا، فقلت: أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت (1) بعد أن فصلوا (2) لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا، ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط (3) الغزو، وهممت أن أرتحل فأدركهم - وليتني فعلت - فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم، أحزنني أني لا أرى لي أسوة، إلا رجلًا مغموصًا (4) عليه النفاق، أو رجلًا ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ ، فقال رجل من بني سلمة: يا رسول الله، حبسه بُرداه (5) ونظره في عطفيه (6) ،
(1) الغدو: السير أول النهار.
(2) (فصلوا) أي: خرجوا من المدينة. كقوله تعالى: {ولما فصلت العير} أي: خرجت منطلقة من مصر إلى الشام.
(3) أي: فات وسبق، والفرط: السبق.
(4) مغموصًا: مطعونًا في دينه، متهمًا بالنفاق.
(5) البرد والبردة: الشملة المخططة، وقيل: كساء أسود مربع فيه صور.
(6) عطف الإنسان (بالكسر) : جانبه، من رأسه إلى وركه أو قدمه، ومنه: هم ألين عطفًا ..