فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 525

وقال:"إنكم تلقون بعدي اختلافا وفتنة"، فمر عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فقال عليه الصلاة والسلام:"يقتل فيها هذا يومئذ مظلومًا، هذا يومئذ ومن اتبعه على الهدى، عليكم بالأمين وأصحابه"وهو يشير إلى عثمان بذلك. وقال لعثمان لما كلمه وضرب منكبه: (يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه حتى تلقاني) يقول ذلك ثلاث مرات (1) .

(1) في خلافة عثمان (رضي الله عنه) اتسعت الفتوح واهتم المسلمون ببناء الاسطول البحري مستفيدين من خبرة سكان الاسكندرية، وتمكن الأسطول الاسلامي من إحراز نصر على أسطول الروم في موقعة ذات الصواري في البحر المتوسط على مقربة من الاسكندرية سنة (34) هـ وقد استولى المسلمون على بعض سفن الروم فأضافوها إلى أسطولهم. وتوجه عقبة بن نافع الفهري إلى بلاد النوبة السودان لكنه لم يتمكن من التوغل فيها، ثم صالحهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وتبادل معهم الهدايا.

وتعتبر فتنة مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه من أخطر الأحداث التي مرَّت بها الدولة الاسلامية في عصر الخلافة الراشدة، وأصلها أن ابن سبأ يهودي من صنعاء ادعى الإسلام في خلافة عثمان، وقام ببثِّ الدعاية ضده في الحجاز والعراق والشام ومصر وكان الولاة إذا أحسوا به طردوه إلى بلد آخر. فتبادل أشياعه الرسائل التي يوضحون فيها تذمرهم وشكاواهم من عمال عثمان، وكانت هذه الرسائل تقرأ في الأمصار المختلفة، فتثير الفتن، وينشأ عند العامة تصور للسوء والفوضى والظلم الذي انحدرت إليه الدولة! ! وكان ابن سبأ وراء الوفود المصرية والعراقية التي قدمت المدينة وحاصرت دار عثمان وقتلته.

وكان مما أثاروه من القضايا الدينية قضية تدوين المصحف واعتماد النسخة المدونة وإحراق ما سواها من النسخ ..

وكان قد قدم حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق - فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان.

واستشار عثمان واستفتى الصحابة، وقال: ما تقولون في هذه القراءة، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا؟

قلنا: فما ترى؟

قال: نرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة، ولا يكون اختلاف.

قلنا: فنعم ما رأيت.

قال- يعني علي رضي الله عنه-: فقيل: أي الناس أفصح؟ وأي الناس أقرأ؟

قالوا: أفصح الناس سعيد بن العاص، وأقرأهم زيد بن ثابت.

فقال: ليكتب أحدهما، ويملي الآخر. ففعلا، وجمع الناس على مصحف قال علي: والله لو وُلِّيتُ لفعلتُ مثل الذي فعل.

وقد عهد عثمان اعتماد النسخة الموحدة من المصحف إلى أربعة من الصحابة هم: زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقال لهم:"اذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في عربية من عربية القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن أُنزل بلسانهم". ففعلوا، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق. منعًا لاختلاف القراءات والزيادة والنقص في كتاب الله تعالى.

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فوالله ما فعل الذي فعل إلا عن ملأ منا جميعًا.

ومن المسائل التي أثيرت ضد عثمان رضي الله عنه بعد مقتله وتبناها الخوارج عدم شهوده بدرًا وعدم ثباته يوم أحد وعدم اشتراكه في بيعة الرضوان، فقد سأل أحد الخوارج- قيل أنه العلاء بن عرار- عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في المسجد الحرام بمكة عن مواقف عثمان هذه، فبَّين له ابن عمر ذلك معللًا بأن عدم شهود عثمان بدرًا كان بأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمرض زوجته رقية، وأنه وعده:"إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه"، وأما فراره مع الفارين يوم أحد فقد عفا الله عنهم جميعًا، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسله من الحديبية إلي مكة رسولًا، ووقعت البيعة بسبب حجز قريش له، وضرب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده وقال:"هذه لعثمان"وبذلك قطع ابن عمر على الخارجي سبيل التلبيس على الناس بأمور لا يعلمون حقيقتها.

وتكلم جماعة من"قراء أهل الكوفة"بكلام قبيح في مجلس سعيد بن العاص (أمير الكوفة من جهة عثمان) فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد خرج إليك قراء من أهل الكوفة، فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم.

فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم، واجتمع بهم، ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد، فأجاب متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والثناء عليه، والصلاة والتسليم، فإذا هم يتمادون في غيهم، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده، ونفاهم عن الشام لئلا يشوشوا عقول الطغام، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش، كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه من نصرة الدين وقمع المفسدين، وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب. وكانوا يشتمون عثمان، وسعيد بن العاص، ثم تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان،"وكان جمهورهم من أهل الكوفة"، وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألبوا عليه، ونالوا منه ومن عثمان، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل، وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة، وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه، وأغلظوا له في القول، وطلبوا منه أن يعزل عماله، ويستبدل أئمة غيرهم من السابقين ومن الصحابة، حتى شق ذلك عليه جدا، وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة. فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، وتألف قلوب أولئك بالمال، وأمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور. ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص، ولبسوا السلاح، وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان، ويولي عليهم أبا موسى الأشعري، وكان اجتماعهم بمكان يقال له: الجرعة، وقد قال يومئذ الأشتر النخعي: والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا،"وتواقف الناس بالجرعة"، وأحجم سعيد عن قتالهم، وصمموا على منعه، فرجع سعيد بن العاص إلى المدينة، وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري بذلك، فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعا لعللهم.

ومما أثير ضد الخليفة أنه أتمَّ الصلاة بمنى أواخر خلافته خلافًا لسنة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعمل أبي بكر وعمر. وكان عثمان يتأول ذلك ويرى أن له حكم المقيم كذلك كانت عائشة رضي الله عنها تتم الصلاة بمنى بل إن عبد الله بن مسعود فعل ذلك وهو لا يراه صحيحًا - فقهيًا - لأنه لم يشأ أن يخالف فعل عثمان - وهو الخليفة الشرعي وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعًا وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت