فهرس الكتاب

الصفحة 446 من 525

وورد في كلام لعائشة رضي الله عنها مع الثائرين ما يحدد أهم الانتقادات التي وجهوها إلى سياسة عثمان رضي الله عنه، قالت:"اسمعوا نحدثكم عما جئتمونا له، إنكم عتبتم على عثمان في ثلاث خلال، في إمارة الفتى، وموضع الغمامة- تريد الحمى- وضربه بالسوط والعصا. حتى إذا مصتموه- تريد غسلتموه - موص الثوب بالصابون عددتم عليه الفقر الثلاث، حرمة البلد، وحرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وان كان عثمان لأحصنهم فرجًا وأوصلهم للرحم".

وبعث عثمان إلى المعارضين علي بن أبي طالب ورجلًا معه فاصطلحوا على خمس: أن المنفي يُقلب، والمحروم يُعطى، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويُستعمل ذو الأمانة والقوة. كتبوا ذلك في كتاب، وأن يرد ابن عامر على البصرة، وأبو موسي الأشعري على الكوفة.

وقد أثار وفد مصر عندما استقبلهم عثمان بالمدينة حمايته الحمى، فوضَّح لهم أن عمر حماه قبله لإبل الصدقة، وأنه زاد فيه لما زادت إبل الصدقة.

وكان الوفد المصري قد ناقش عثمان رضي الله عنه في الأمور التي أخذوها عليه، ثم"أخذوا ميثاقه وكتبوا عليه شرطًا، وأخذ عليهم إلا يشقُّوا عصًا ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين. فبينما هم بالطريق إذا راكب يتعرض لهم ويفارقهم، ثم يرجع إليهم ثم يفارقهم."

قالوا: مالك؟

قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر.

ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر: أن يُصلِّبهم، أو يقتلهم، أو يقطع أيديهم وأرجلهم. فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليًا فقالوا: ألم تر إلى عدوِّ الله، كتب فينا بكذا وكذا، وإن الله قد أحلَّ دمه فقم معنا إليه.

قال: والله لا أقوم معكم.

قالوا: فلم كتبت إلينا؟

قال: والله ما كتبت إليكم كتابًا.

فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة.

فانطلقوا إلى عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا.

فقال: إنهما اثنتان، أن تقيموا رجلين من المسلمين، أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمليتُ ولا علمتُ. وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل ويُنقش الخاتم على الخاتم.

قالوا: قد أحل الله دمك، ونقضت العهد والميثاق وحصروه في القصر"."

وكان عثمان رضي الله عنه يترقب وقوع الفتنة، حيث أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بفتنة تقع له وأنه يستشهد فيها، وكان يخرج على المعارضين يحاججهم بالقرآن والسنة ويذكرهم بمواقفه في خدمة الاسلام والمسلمين:"إن وجدتم في كتاب الله أن تضعوا رجلي في قيود فضعوهما".

"ولما حُصِر عثمان أشرف عليهم فوق داره ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد؟ قالوا: نعم. قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جيش العسرة: من ينفق نفقة متقبلة؟ والناس مجهدون معسرون، فجهزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم. ثم قال: أذكركم بالله هل تعلمون أن بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن، فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: نعم. وأشياء عدَّدها. فانتشد له رجال، وكان يخص بمناشدته الصحابة، ويلاحظ أن مخاطبته للثائرين كانت تُحدث أثرًا مؤقتًا حتى انتشر النهيُ عنه بينهم مرةً"وجعل الناس يقولون: مهلًا عن أمير المؤمنين"."وقام الأشتر فقال: لعله لقد مكر به وبكم. قال- يعني أبا أسيد: فوطئه الناس حتى لقد لقي كذا وكذا- يعنى من الأذى والشدة-. قال: فرأيته أشرف عليهم مرة أخرى فوعظهم وذكرهم، فلم تأخذ فيهم الموعظة، وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم، ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه"."

واتخذ عثمان موقفًا واضحًا وحاسمًا بعدم المقاومة، وألزم به الصحابة، كما رفض عثمان رضي الله عنه التنازل عن الخلافة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصاه بقوله:"يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا تخلعه حتى تلقاني".

ولما قُتل رضي الله عنه انتضح دمه على المصحف الذي كان يقرأ فيه فوق الآية (فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت