وأشرف (1) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أطم (2) من آطام المدينة،
فقال:"هل ترون ما أرى؟"، قالوا: لا.
قال:"إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر".
وقال:"اللهم بارك لنا في شامنا، وبارك لنا في يمننا"، فقال رجل: وفي عراقنا (وفي نجدنا) (وفي مشرقنا) يا رسول الله؟
فقال عليه الصلاة والسلام:"هناك الزلازل والفتن،"
ومن هنالك يطلع قرن الشيطان (3) "."
(1) يعني: نظر من مكان مرتفع.
(2) الأطم: هو القصر والحصن، وجمعه آطام.
(3) قرن الشيطان وقرناه: أمته والمتبعون لرأيه، وانتشاره وتسليطه. وقيل: يحتمل أن يريد بالقرن: قوة الشيطان، وما يستعين به على الإضلال، وكان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر، وأول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وذلك مما يحبه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع، نشأت من تلك الجهة حيث حدثت وقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما ورائها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين: قتل عثمان - رضي الله عنه -.
وبعض المبتدعة المحاربين للسنة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد (نجد) المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنما هي (العراق) كما دل عليه أكثر طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديمًا، كالإمام الخطابي، وابن حجر العسقلاني، وغيرهم .. وقد جهلوا أيضا أن كون الرجل من بعض البلاد المذمومة، لا يستلزم أنه هو مذموم أيضًا، إذا كان صالحًا في نفسه، والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، وفي العراق من عالم وصالح، وما أحكم قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن يهاجر من العراق إلى الشام:"أما بعد، فإن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس الإنسان عمله".