وقال لنسائه وفيهن عائشة رضي الله عنهن: (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟ ) (1) .
(1) قال قيس بن أبي حازم البجلي:"لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلًا نبحت الكلاب. قالت: أي ماء هذا؟ قالوا ماء الحوأب. قالت: ما أظنني إلا أني راجعة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: (كيف بإحداكنَّ تنبح عليها كلاب الحوأب؟ ! ) . فقال لها الزبير: ترجعين! ! عسى الله عز وجل أن يصلح بك بين الناس". حيث كان طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم قادة المطالبين بإنفاذ القصاص بقتلة عثمان مشترطين ذلك للدخول في طاعة علي الخليفة الجديد. وهذا النص يكشف عن أمور مهمة، منها ما هو من أعلام النبوة، حيِث أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر غيِبي فوقع كما أخبر، ومنها تردد عائشة رضي الله عنها في المضي إلى البصرة، ومنها أن المعارضين كانوا يرغبون في الإصلاح بين الناس مع تصميمهم على إنفاذ القصاص بقتلة عثمان.
وكان علي بين تيارين قويين، فالمشاركون والمحرضون على قتل عثمان منهم حكيم بن جبلة العبدي زعيم الثوار البصريين، ومنهم عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر من زعماء الثوار المصريين، ومنهم مالك الأشتر النخعي من زعماء الثوار الكوفيين، ومنهم محمد بن أبي حذيفة الذي غلب على مصر، ومحمد بن أبي بكر، وكلهم لهم اختلاط بجيشه وتأثير على قبائلهم، وبعضهم ترك المدينة إلى الأمصار عقب بيعة علي، فلم يكن قادرًا على إنفاذ القصاص مع اختلاف الناس عليه.
وكان التيار الآخر ممثلًا بطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وعائشة أم المؤمنين، وكانوا يضغطون بقوة لإنفاذ القصاص بقتلة عثمان، ويرون أن عليًا قد تخلى عن القصاص .. ولم يعذروه في سياسته التي تميل إلى إماتة الفتنة وتخطيها بتأخير إيقاع القصاص حتى يستتب له الأمر ويدخل في بيعته الناس جميعًا، وليتأكد من تحديد القتلة بأعيانهم، وقال:"والله لوددتُ أن بني أمية رضوا لنفلناهم خمسين رجلًا من بني هاشم يحلفون: ما قتلنا عثمان، ولا نعلم له قاتلًا". ولما مضت أربعة أشهر على بيعة علي دون أن ينفذ القصاص خرج طلحة والزبير إلى مكة ومنها جمعوا مؤيديهم الذين بلغ عددهم سبعمائة رجل وانطلقوا إلى البصرة مستهدفين القبض على القتلة من أهلها وإنفاذ القصاص فيها وقد بلغ عددهم عند وصولهم البصرة ثلاثة ألاف رجل، وذلك لالتحاق الناس بهم في الطريق إليها، وقد أنفق عبد الله بن عامر بن كريز ويعلى بن أمية أموالًا كثيرة في تجهيز هذا الجيش بمكة، حيث قدّم يعلى بن أمية وحده أربعمائة بعير. وكان معظم أهل البصرة يؤيدون إيقاع القصاص بالقتلة.