وتَمْرُقُ مَارِقَةٌ عِنْدَ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ مَعَ صَلاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ، لَئِنْ أَنَا أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ، سِيمَاهُمْ التَّحْلِيقُ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ. (1)
(1) أي: كقطعة لحم تترجرج وتضطرب.
وقد حصلت موقعة النهروان بين جيش علي رضي الله عنه والخوارج، فقد كان عدد القراء الذين اعترضوا على التحكيم في صفين أربعة آلاف، وكان عروة بن حدير التميمي (وهو عروة بن أدية) يقول:"أتحكمون في أمر الله الرجال، لا حكم إلا لله". وهذه المقولة صارت شعار الحركة الخارجية ولذلك سموا بالمحكمة كما سموا بالخوارج لخروجهم على الخليفة الشرعي علي رضي الله عنه، كما سموا بالحرورية نسبة إلى قرية حروراء قرب الكوفة حيث انشقوا عن جيش علي العائد إلى الكوفة.
وهذا التطور الأخير جعل ابن عباس يستأذن عليًا في محاورتهم في إحدى اجتماعاتهم الضخمة في حروراء، موضحًا لهم أن التحكيم نص عليه القرآن وأن محو لقب أمير المؤمنين من نص وثيقة الهدنة له سابقة من السنة في حادثة الحديبية، وأن قتال علي لمخالفيه دون أن يستحل أموالهم وأعراضهم هو الحكم الشرعي الصحيح، فرجع منهم ألفان بعد أن تبين لهم الحق ..
وحاول زعماءهم أن يثنوا عليًا عن إرسال أبي موسى الأشعري إلى التحكيم، وأن يقودهم لقتال أهل الشام، فأبى عليهم نقض العهد مع الشاميين:"فارقنا القوم فلا يجوز نقضه".
وأرادوا مبايعة أحد زعمائهم أميرًا، فلم يقبلها أحد منهم، ثم قبلها عبد الله بن وهب الراسبي، وبذلك نكثوا بيعتهم لعلي، وذلك في العاشر من شوال سنة (37) هـ، ونقضوا مبدأ"الخلافة في قريش"فصار من مقولاتهم جواز خلافة غير القرشي.
وقد خرج عبد الله بن وهب الراسبي الأزدي بأتباعه إلى النهروان خفية، وفي هذه الفترة قتل الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت ومعه أم ولده، كما قتلوا آخرين، فقد صاروا يكفرون من خالفهم ويستبيحون دمه وماله. فسار إليهم علي رضي الله عنه بجيشه في محرم عام (38) هـ.
ونظرًا لأن مناطق نشاط الخوارج التي تعرضت لضياع الأمن وقطع الطرق ضمن مسؤولية علي رضي الله عنه، فقد طلب من الخوارج تسليم القتلة لإقامة الحد عليهم، فأجابوه: كلنا قتلناه. وبذلك استحل علي قتالهم، وبيَّن لجنده أجر مقاتلهم، معتمدًا على حديث:"يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". ثم قال علي معقبًا:"لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتكلوا عن العمل"، ثم ذكر لهم العلامات التي تنطبق على الخوارج مثل وجود المخدَّج فيهم"له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض. فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله".
وقد أرسل علي اليهم الرسل يدعونهم، فقتلوا رسوله، وعبروا إليه النهر، فأمر بقتالهم. يقول شاهد عيان ثقة هو زيد بن وهب الجهني:"لما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا السيوف من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء". واشتبك الجيشان في معركة خاطفة وغير متكافئة، انتهت بالإجهاز على الخوارج رغم ما أبدوه من جلد وشجاعة، فقد أفناهم جيش علي الكبير دون أن يصيبوا منه إلا بضعة عشر رجلًا. ولم يعش من جيش الخوارج إلا الجرحى ومن فرَّ وهم عدد يسير.
واهتم علي بالتفتيش عن المخدج ذي الثدية حتى وقف عليه، فكان شاهدا على صحة موقف علي، وآية على ضلال الخوارج.
وقد عامل علي رضي الله عنه الخوارج معاملة البغاة، فلم يكفرهم، ومنع جنده من تعقيب فاريهم، والإجهاز على جريحهم، ولم يسبهم ولم يغنم أموالهم، ولما قيل له:"يا أمير المؤمنين أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا. فقيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فمن هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم. وفي رواية: قوم بغوا علينا فنصرنا عليهم. وفي رواية: قوم أصابتهم فتنة فعموا فيها وصموا. وهكذا صرَّح بأنهم مؤمنون ليسوا كفارًا ولا منافقين. ونصح الأمة في التعامل معهم بقوله:"إن خالفوا إمامًا عادلًا فقاتلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالًا"."
استشهاد علي رضي الله عنه
وأمام الوهن والشقاق وضعف الطاعة في جيش علي لم يجد قوة تشد من أزره، وبيّنت خطبه الأخيرة مدى ما عاناه من الملل والألم إذ كان يقول:"اللهم إني قد سئمتهم وسئموني، ومللتهم وملُوني فأرحني منهم وأرحهم مني، فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم ووضع يده على لحيته". فكانت هذه الإشارة بأن ثمة من يسعى لقتله، أول إعلان عما بلغه من محاولة عبد الرحمن بن ملجم المرادي قتله، وكان قد حذَّر من التآمر لقتله"جاء رجل من مراد إلى علي- وهو يصلي في المسجد- فقال: احترس فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك".
ولما طعنه ابن ملجم في صلاة الفجر صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، لم يمت حتى أوصى بقاتله خيرًا:"إنه أسير فأحسنوا نُزُله وأكرموا مثواه، فإن بقيتُ قتلتُ أو عفوتُ، وإن متُ فاقتلوه قتلتي ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".