(قصة وثيقة التحكيم)
لما طحنت المعركة ألوفًا من الجانبين، وكلَّ الباقون من القتال، تفتق ذهن عمرو بن العاص عن فكرة التحكيم التي أنقذت الجيش الشامي من الهزيمة فأرسل معاوية رجلًا يحمل المصحف إلى علي ويقول له: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: إنا أولى بذلك بيننا كتاب الله. ويبدو أن معظم الجند العراقي جنحوا إلى التحكيم، لكن كثيرًا من القراء أنكروا عليه قبوله بالتحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل.
وقد انشق المحتجون من القراء واعتزلوا جيش علي محتجين بأنه محا اسمه من إمرة المؤمنين. وقد مثل أبو موسى الأشعري عليًا، ومثل عمرو بن العاص معاوية في اجتماع الحكمين بدومة الجندل، وحضر الاجتماع جمع من الصحابة فيهم عبد الله بن عمر. ورغم اعتزال ابن عمر الفتنة، إلا أنه كان يصرح بأن الحق مع علي فيقول:"ما آسى على شيء، كما آسى أني لم أقاتل مع علي رضي الله عنه".
ولعل من عوامل اختيار أبي موسى للتحكيم مهارته في القضاء وممارسته الطويلة في هذا الميدان في عهد النبوة وخلافة أبي بكر وعمر وعثمان.
ولا يرجع فشل التحكيم إلى شخصية أبي موسى بل إلى صعوبة حل الخلاف وإصرار الطرفين على مواقفهما السابقة، وعدم حيازة المحكمين على قوة محايدة تنفذ القرار. ومما يوضح سلامة التحكيم وحياده نص الوثيقة التي أقرها، بما في ذلك التسامح في رفض عمرو بن العاص صيغة أول وثيقة التحكيم التي تشير إلى إمرة علي للمؤمنين، لأن الشاميين لم يبايعوه على ذلك.
ولا يبت نص وثيقة التحكيم في القضية بل يوضح الإطار العام الذي يحكم المباحثات ويوضح الهدف منها وهو الإصلاح بين الأمة وعدم ردها إلى الفرقة والحرب، ويحدد زمنًا لانتهائها، كما يحدد مكان التحكيم وأنه متوسط بين الكوفة والشام والحجاز، واشترطا رضا الطرفين عمن يحضر المباحثات، أما الشهود فيختار كل طرفٍ شهوده، وتلتزم الأمة بنصره قرارات التحكيم، كما يلتزم بذلك الشهود.
وقد بقيت هذه الوثيقة محفوظة حيث اطلع عليها أبو اسحق الشيباني ووصفها بقوله:"صحيفة صفراء عليها خاتم من أسفلها وخاتم من أعلاها، وهما ختما علي ومعاوية ونقشهما- محمد رسول الله-".
وقد اجتمع الحكمان في دومة الجندل ولم يتوصلا إلى اتفاق، وكان معاوية حاضرًا اجتماع الدومة، ولم يحضر علي، ولعل لتحركات الخوارج أثرًا في ذلك، فخطب معاوية في الناس قائلًا:"من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به ومن أبيه. قال ابن عمر: فحللتُ حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر من قاتلك وأباك على الإسلام. فخشيتُ أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدماء، ويُحمل عني غير ذلك، فذكرتُ ما أعد الله في الجنان". فبقيت الأوضاع على حالها، عليّ خليفة المسلمين، ومعاوية أمير الشام ولم يبايَع معاوية رضي الله عنه بالخلافة إلا بعد استشهاد علي رضي الله عنه على يد الخوارج، وكانت بيعته في بيت المقدس في شهر رمضان سنة (40) هـ، بعد وصول خبر استشهاد علي رضي الله عنه.