وقال: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، ويح عمار، تقتله الفئة الباغية (1) .
(1) أصاب المسلمون بلاء عظيم بسبب مقتل الخليفة عثمان رضي الله عنه، إذ كان المسلمون قد مرُّوا بانتقال السلطة سلمًا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعد وفاة الصديق رضي الله عنه، لكنهم الآن أمام تجربة جديدة تمثلت باستخدام العنف في تغيير السلطة ونجم عن ذلك مقتل الخليفة، وبقاء المنصب شاغرًا.
ثم إن جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار بايعوا عليًا، وتبعهم الناس، وكانت بيعة علي بعد سبعة أيام من مقتل عثمان. وبقيت جماعات تطالب بالقصاص من قتلة عثمان.
وكانت أخطر قضية تواجه الخليفة الجديد هي مقاضاة قتلة عثمان وإنفاذ القصاص فيهم، وكان ابن عباس قد نبَّه عليًا إلى خطورة الموقف قبل توليه الخلافة بقوله لعلي رضي الله عنهما:"إن الناس سيلزموك دم عثمان". فقد كانت المأساة الدامية تملأ النفوس بالحزن والندم على عدم بذل الوسع في الذود عن الخليفة وإن كان ذلك يعني عدم التقيد بأوامر عثمان بالكفِّ عن القتال.
معركة صِفِّين (بين جيش علي وجيش معاوية)
وقد رأى معاوية أنه ولي دم عثمان، لأنه صار رأس بني أمية مكانةً، والأحاديث النبوية تدل على أن عثمان يُقتل مظلومًا، بل تذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بأن لا يخلع نفسه من الخلافة، ووصف الثائرين عليه بالمنافقين .. وشهد الصحابي كعب بن مرة البهزي أمام معسكر معاوية بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن عثمان بن عفان:"لتخرجنّ فتنة من تحت قدمي هذا- أو من بين رجلي هذا-، هذا ومن اتبعه يومئذ على الهدى"، واذا كان المدافعون عن عثمان كانوا على الهدى خلافًا للثائرين عليه الذين سيكونون أصحاب ضلالة، فإن الموقف في نظر معسكر معاوية ينسحب عليهم ليصبحوا أصحاب الهدى ويصبح خصمهم على ضلالة وهكذا استحلوا القتال متأولين، ولم يتبين خطأوهم إلا فيما بعد مقتل عمار بن ياسر في صفين ومقتل المخدَّج في النهروان.
وقد وصف أبو العالية الرفاعي المعركة بقوله:"لما كان زمن علي عليه السلام ومعاوية، وإني لشاب القتال أحب إليَّ من الطعام الطيب، تجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان لا يُرى طرفاهما، إذا كبَّر هؤلاء كبرَّ هؤلاء، وإذا هلَّل هؤلاء هلَّل هؤلاء. قال: فراجعتُ نفسي فقلت: أي الفريقين أنزلُهُ كافرًا، وأي الفريقين أنزله مؤمنًا؟ فما أمسيتُ حتى رجعت وتركتهم".
ولم ينفرد أبو العالية الرياحي بالتردد والشك ثم التوقف عن القتال، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص يُصرح بحقيقة مشاعره وهو يقف إلى جوار أبيه بيده الراية ويتقدم في الجيش الشامي منزلة أو منزلتين:"مالي ولصفين! ! مالي وقتال المسلمين! ! لوددتُ أني مِتُّ قبله بعشر سنين أما والله على ذلك ما ضربتُ بسيف ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم". وعبد الله بن عمرو بن العاص عالم محدِّث، وتعتوره الشكوك- في صحة موقفه من الفتنة دون أن يحسم الأمر مع نفسه أولًا ثم في الميدان فقد أرغمه أبوه على الاشتراك مع الجيش الشامي مذكرًا إياه بحديث:"أطع أباك مادام حيًا"فاشترط أن يقف معهم ولا يقاتل، فهل نسي أن الطاعة بالمعروف؟ . . . بالله كيف كانت حالة عامة الجند الإسلامي! ! قاتل الله الفتن تدع الحليم حيرانا.
لم يكن الطرفان يكفران بعضهما، لكن بعض الجند المتحمس في جيش علي رضي الله عنه كان يلعن ويكفر الشاميين، فلا يلقى من قادته إلا النهر والتوضيح"قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام. فقال علي رضي الله عنه: لا تسب أهل الشام جمعًا غفيرًا، فإنَّ بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال".
وقال زياد بن الحارث الصدائي- صحابي شاهد عيان-:"كنت إلى جنب عمار بن ياسر بصفين، وركبتي تمسُّ ركبته. فقال رجل: كفر أهل الشُام. فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحقَّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه".
ولم تكن بين الجيشين أحقاد، بل كان كل طرف ينافح عما يعتقده حقًا، فلا غرابة إذا قال شاهد عيان هو عبد الرحمن السلمي:"شهدنا صفين مع علي فكنا إذا توادعنا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء". ولا غرابة إذا ما صرح عبد الله بن عمرو بن العاص أمام معاوية، ورجلان يختصمان في قتل عمار بن ياسر كل واحد يزعم أنه قتله:"إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية"ويستغرب معاوية من هذا التصريح فيقول: فما بالك معنا؟ قال: إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أطع أباك مادام حيًا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل". وهكذا تتجلى الصراحة في الحق وتتخطى المعوقات من المجاملات والمواربات. . فقد كان الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص من أقوى الحجج على أن الحق مع علي وأن معاوية بغى عليه لكن معاوية تأول الحديث:"لما قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قُتل عمار وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عله وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقام عمرو يرجع فزعًا حتى دخل على معاوية. فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قُتل عمار. فقال له معاوية: قُتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتله الفئة الباغية. فقال له معاوية: دحضت في قولك أنحن قتلناه! ؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤا به حتى ألقوه تحت رماحنا"."
وقد أنقذ معاوية بتأويله للنص معنويات الجند الشامي، كما أنقذ معنويات قائده عمرو بن العاص الذي تبنى هذا التأويل بعد أن كان قد تملكته الرهبة، بل مضى يتأول حديثًا آخر كان يرويه:"إن قاتله وسالبه في النار. فقيل له: هو ذا أنت تقاتله؟ فقال: إنما قال قاتله وسالبه". أي أن النص مخصص بالقاتل الفعلي وحده وإذا نفع التأويل في إقناع الشاميين، فإن مقتل عمار أذكى حماسة العراقيين فقد بان لهم بمقتله أن عليًا محق، وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل النبوة. ويبدو أن النصر لاح لهم بعد قتال شديد دام ثلاثة أيام بلياليها. وقد التزم كلُّ من الطرفين بأحكام قتال البغاة، قال أبو أمامة- رضي الله عنه:"شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح ولا يطلبون مُوَلِّيًا ولا يسلبون قتيلًا".
وقال أبو فاختة:"حدثني جار لي قال: أتيت عليًا بأسير يوم صفين، فقال لي: أرسله، لا أقتله صبرًا، إني أخاف الله رب العالمين، أفيك خير؟ بايع. وقال للذي جاء به: لك سلبه".
وسئل علي رضي الله عنه عن قتلى يوم صفين فقال:"قتلانا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية". أي أنه يرى نفسه ومعاوية مسؤولين عما حدث وهما يحاسبان على ذلك.
ويصف شاهد عيان هو الصحابي سالم بن عبيد الأشجعي موقف علي رضي الله عنه فيقول:"رأيت عليًا بعد صفين، وهو آخذ بيدي، ونحن نمشي في القتلى، فجعل علي يستغفر لهم حتى بلغ أهل الشام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، إنَّا في أصحاب معاوية! ؟ فقال علي: إنما الحساب عليَّ وعلى معاوية".