فهرس الكتاب

الصفحة 463 من 525

إِذَا رَأَيْتَ الْأَمَةَ (1) تَلِدُ رَبَّهَا ورَبَّتَهَا،

(1) الأمة: هي من ثبت عليها الرق فتكون مملوكة لسيدها، ولا يثبت الرق بالاختطاف أو ببيع الأب بنته بسبب الفقر ونحو ذلك كما في الجاهلية، وإنما يثبت الرق في الإسلام بأحد طريقين:

الأول: أن يقع الكافر أسيرًا في أيدي المسلمين إثر حرب بين دولة الإسلام ودولة الكفر، ويأذن إمام المسلمين باسترقاقه لمصلحة أو معاملة بالمثل مع فارق إكرام الرقيق في الإسلام، وله أن يأمر بقتل الأسير، أو إطلاق سراحه بمال أو بدون مال، حسب ما يراه من المصلحة للمسلمين، وهذه الأحكام سارية في هذا العصر وإلى يوم القيامة.

الثاني: أن يكون مستولدًا من أمة مسترقة، إذا كان من غير سيدها فيكون رقيقًا- يعني العبد أو الأَمَة- حتى تتاح له فرصة فيعتق مجانًا أو بمكاتبة.

وعلى هذا فلا يثبت الرق في حرب وقعت بين طائفتين من المسلمين في أي عصر من العصور، ولا يثبت الرق على الأسير الكافر إذا أمر إمام المسلمين بقتله أو إطلاق سراحه بمال أو مجانًا، لمصلحة المسلمين، ولا يثبت الرق على العبد المعتَق، ولا على الحر. والرقيق يتملكه سيده ويباع ويشترى مِمَّنْ يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا مُعْتَرَفًا بِهِ شَرْعًا، وَكَذَا بالْهِبَةُ وَالْوَصِيَّةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْمِيرَاثُ وَغَيْرُهَا مِنْ صُوَرِ انْتِقَال الأْمْوَال مِنْ مَالِكٍ إِلَى آخَرَ ..

وجاء الإسلام وأقر الرق لمصالح كثيرة، منها: أن الأسير الكافر إذا استرق وبقي بين أظهر المسلمين فإنه يبدأ حياة جديدة يتعرف فيها على أحكام الإسلام وآدابه، وعلى عدله وسماحته، فينشرح صدره للإسلام، ويحبب الله إليه الإيمان، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، لا سيما إذا كان أهل الإسلام على قدر من الخلق وحسن المعاملة، فإذا خالط الإيمان بشاشة قلبه، كان ممن يتشوق الإسلام إلى مكاتبته أو عتقه مجانًا، كما دل على ذلك تشريع سائر الكفارات، ككفارة القتل الخطأ والإفطار في رمضان والحنث في اليمين والظهار وشجع على مكاتبة الرقيق وتيسير دفع ما يلزمه، وجعل عتق الرقاب من الكفارات، وأمر بالإحسان إلى الرقيق حتى تحين الفرصة لعتقه، والوصايا في ذلك كثيرة يكفى منها مراعاة شعوره، فلا يقال له: عبدى أو أمتى، بل يقال فتاي وفتاتي، أو غلامي وجاريتي، وإكرامه في مطعمه وملبسه كما في الحديث"هم إخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، ويلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". فلا يأمر السيد عبده أو أمته بمعصية الله ولا ينهاه عن طاعته، ويحافظ على حياة عبده، فلا يقتله أو يجرحه، أو يؤذيه في بدنه، ولا يكلفه بأعمال شاقَّة فوق طاقته، ولا يجبره على تغيير دينه، وعليه إطعامه وكسوته وإسكانه، قدر حاجته وكفايته، وأن ينفق عليه إذا مرض عبده، أو عجز عن العمل أو كان صغيرًا، وأن يسعى في إعفافه إذا كان أعزبًا فيزوِّجه خشية انحرافه، ولا يجبره على الزواج بمن لا يرضاها، وإذا كان العبد متزوجًا فعليه أن يمكنه من الاستمتاع بزوجته ليلًا، ولا يجبره على تطليق زوجته.

ومما يجب معرفته من أحكام الإماء: أن من تُسبى من النساء لا تكون متعةً مشاعةً لكل أحد من المسلمين، بل هي لمن تقع في سهمه من المسلمين فقط، فهي رقيقة مملوكة لسيّد واحد منهم، لا يجوز له أن يُجبرها على معاشرة غيره من المسلمين. وشرع ملك اليمين واسترقاق الجواري؛ حرصًا عليهن من أن يتشرَّدن فيتعرَّضن للإهانة في شرفهن وكرامتهن، ومن انتشار الفساد إذا تُركنَ بغير مُعِيل يعيلهن ولا راعٍ يرعى شؤونهن. وأبيح التسري بالإماء دون تحديد بعدد؛ فلمالك الأمة أن يطأها (يجامعها) بملكه إياها- أي: بلا عقد زواج عليها- فهذا معنى وطء الأمة بملك اليمين، وهو (التسري) ، ويكون بعد الاستبراء بحيضة؛ للتأكد من عدم حصول حملٍ من زوجها قبل معاشرة مالكها لها. وشرع تسري السيد بأمته لأنها غالبًا ستنضم إلى عياله وأهله، وليحصل الإعفاف لكل منهما بدلًا أن يقعا في الحرام أو تلجأ الجارية إلى فعل الفواحش والمنكرات في المجتمع، وفي هذا معاملة كريمة لها إذ إنها بذلك تعامل معاملة سيدتها، فيستمتع بها كما يستمتع الزوج بزوجته، سواء ولد له منها أم لا، والأمة إذا عاشرها مالكها فحملت منه وولدت؛ فقد صارت أم ولد، وأم الولد تخرج من الرق الكامل خروجًا جزئيًا بمجرد الوضع للمولود فلا يجوز بيعها لأنه يؤدي إلى التفريق بينها وبين ولدها، ثم إنها تعتق عتاقًا كاملًا وتُصبح حرة بمجرد موت سيدها. وقد تسرّى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأمته مارية القبطية، وولد له منها إبراهيم، وليست من زوجاته، وليست من أمهات المؤمنين. وروي أن هاجر كانت أمة لسارة فوهبتها لإبراهيم عليه السلام، وكان التَّسَرِّي على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم، وقد فعله الخليل إبراهيم في هاجر لما تسرَّى بها على سارّة، وقد حُرِّم مثل هذا في التوراة عليهم. وكذلك كان الجمع بين الأختين شائعًا، وقد فعله يعقوب عليه السلام، جمع بين الأختين ثم حُرِّم ذلك عليهم في التوراة.

وإذا سُبي الرجل مع زوجه ووقعا تحت ملك رجل واحد من المسلمين، فيبقى زواجهما على ما هو عليه، ولا يجوز لمالك الأمة حينئذ معاشرتها، بل عليه أن يمكنها من معاشرة زوجها ليلًا، إلا أن يفرق بينهما ببيع أحدهما لمالك آخر، فيكون هذا كالطلاق، ولَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى جَارِيَةً، وإنما يتزوجها بإذن سيدها. ولا يجوز للمسلم الحر أن يتزوج أمة إلا إذا لم يجد مهرًا يتزوج به حرة مؤمنة عفيفة، فبذلك يجوز له أن يتزوج أمة بإذن سيدها، بشرط أن تكون مؤمنة، عفيفة، فلا يتزوج أمة كافرة كتابية أو غير كتابية، ولا أمة غير عفيفة، وولدها يكون رقيقًا تابعًا لسيدها.

ولما كانت الإماء تكثرُ إليهن الحاجة في الاستخدام وأمورِ المهنة وكنّ مبتذلاتٍ بكثرة الذهاب والمجيء وبالبيع والشراء وهن يحتجن في مثل هذا إلى أن كشف الوجه والرأس والكفين ولكون فرضُ الحجاب عليهن مما يشقُ مشقةً بالغة؛ كان من رحمة الله بعباده أنه لم يفرض عليهن الحجاب كما فرضه على الحرائر، ودليلُ ذلك النص واتفاق السلف، والإماء في عهد الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، وقد فرق العلماء بين الأمة البَرْزَة (وهي التي تبرز كثيرًا كالرجل) وبين الأمة الخَفْرَة (وهي التي لا تظهر غالبًا، وإنما تكون في البيت) . وروي عن عمر أنه كان إذا رأى أَمَةُ مُختَمِرة، ضرَبها وقال: أتتشبهين بالحرائر؟ وهذا في إماء الاستخدام والابتذال اللاتي يبرزن ولا يفتتن بهن. وأما إماء التسري اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن والإماء الحِسَان الوجوه، فلسن كالإماء المبتذلات، ويجب عليهن ستر كلَّ بدنهن عن النَّظر، لأن المقصود من الحجاب في باب عورة النظر هو ستر ما يُخاف منه الفِتنة، ولم يطلق الله ورسوله للأعين النظر إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الناظر الفتنة بالنظر إلى الأمة حرم عليه بلا ريب.

واتفق العلماء على وجوب احتجاب المرأة أمام العبيد الأجانب الذين لا تملكهم، أما بالنسبة لعبدها الذي تملكه فقد أجاز فريق من العلماء أن ينظر المملوك إلى الوجه والكفين من مولاته للحاجة فقط ما دامت مالكة له كله، فإذا زال الملك أو بعضه لم يجز النظر، وأنه بذلك لا يعد كمحارمها، فلا يجوز له الخلوة بها ولا السفر معها، ولأنها لا تحرم عليه على التأبيد، ولا يحل له استمتاعها، فلم يكن محرمًا كزوج أختها؛ ولأنه غير مأمون عليها، إذ ليست بينهما نفرة المحرمية، والملك لا يقتضي النفرة الطبيعية، بدليل السيد مع أمته، وإنما أبيح له من النظر ما تدعو الحاجة إليه، كالشاهد والمبتاع ونحوهما، وليس في هذا ما يوجب أن يكون محرمًا يسافر بها، كغير أولي الإربة، فإنهم يجوز لهم النظر وليسوا محارم يسافرون بها، فليس كل من جاز له النظر جاز له السفر بها ولا الخلوة بها، بل عبدها ينظر إليها للحاجة وإن كان لا يخلو بها ولا يسافر بها، فإنه لم يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر امرأة إلا مع زوج أو ذي محرم) فإنه يجوز له أن يتزوجها إذا عتق، كما يجوز لزوج أختها أن يتزوجها إذا طلق أختها، والمحرم من تحرم عليه على التأبيد. وإذا تحرر العبد ولم يعد ملكًا للمرأة فلا خلاف في وجوب احتجاب المرأة منه، وأنه لا يجوز له أن ينظر إليها، بل يحرم عليه ذلك؛ لأنه صار كغيره من الرجال الأجانب، إلا إن كان من التابعين غير أولي الإربة أو من الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء.

والرق في الإسلام حكم شرعي لا يجوز إلغاؤه بالكلية وإنما تلغى أسبابه غير الشرعية، وكانت آخر وصية للنبي عليه الصلاة والسلام (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم) . وانظر إلى روعة مقولة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه:"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"، ويقصد عتق سيدنا بلال رضي الله عنهم أجمعين. وكَانَ آخِرُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِهَا فِي صَدْرِهِ، وَمَا كَانَ يُفِيضُ بِهَا لِسَانُهُ: الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، اتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"فأوصى بالإماء والعبيد والتأكيد على حسن معاملتهم."

أما في الحضارة الغربية فظهرت أنظمة الطبقية وتقسيم الناس إلى رجال دين ونبلاء وعامة، وتم فيها المتاجرة بالبشر في الدعارة والجنس وبيع الأعضاء، وتم اصطياد واستعباد ذوي البشرة السوداء واقتيادهم مسلسلين في البواخر، والزعم بأن السود عبيد، وتم نهب ثروات بلدانهم، وتقطيع أرجل السود في مزارع القطن حتى يعملوا ولا يهربوا، وقد قدر البروفيسور الفرنسي"تزفيان"في كتابه"مصرع الديمقراطية"عدد من استعبدهم الغرب من الأفارقة السود بمائة مليون إنسان، ثم بعد ذلك كله يتفاخر الغرب زورًا بأنه حرر الرقيق وألغى الرق! !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت