فلمَّا سَمِعَت امرأةُ العزيزِ بغِيبتِهنَّ إيَّاها، واحتيالهِنَّ في ذمِّها، أرسَلَت إليهنَّ تَدعوهنَّ لزيارتِها، وهيَّأَت لهنَّ ما يتَّكِئنَ عليه مِن الوسائِدِ، وما يأكُلنَه مِن الطَّعامِ، وأعطَتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سِكِّينًا؛ ليُقَطِّعنَ الطَّعامَ، ثمَّ قالت ليوسُفَ: اخرُجْ عليهنَّ، فلمَّا رأينَه أعظَمْنَه وأجلَلْنَه، وأخَذَهنَّ حُسنُه وجَمالُه، فجَرَحنَ أيديَهنَّ وهُنَّ يُقَطِّعنَ الطَّعامَ؛ مِن فَرطِ النظر إليه والدَّهشةِ والذُّهولِ، وقُلنَ مُتعَجِّباتٍ: مَعاذَ اللهِ، ما هذا مِن جِنسِ البشَرِ؛ لأنَّ جمالَه غيرُ مَعهودٍ في البشَرِ، ما هو إلَّا مَلَكٌ كريمٌ مِن الملائكة.
عندها أبدت امرأةُ العزيزِ عذرها في مراودة يوسف من شدة جماله، وقالت للنِّسوةِ اللَّاتي قطَّعْنَ أيديَهنَّ: فهذا- الذي أصابَكنَّ لمجرد رؤيَتِكنَّ إيَّاه - هو الفتى الذي لُمتُنَّني في الافتتانِ به، ولقد راودتْه عن نفسِه، فامتنَعَ وأبى، ولئنْ لم يفعَلْ ما آمُرُه به لَيُعاقَبَنَّ بدخولِ السِّجنِ، ولَيكونَنَّ مِن الأذلَّاءِ. وكانت تُسمِعُ يوسفَ هذا الكلام مهددة له أمامهن، فكأنهن أشرن على يوسف أن يجيبها لما تريد وألا يعرض نفسه للسجن والأذى.
فقال يوسُفُ مُستعيذًا مِن شَرِّهنَّ ومَكرِهنَّ: ربِّ، السِّجنُ أحَبُّ إليَّ ممَّا يدعونَني إليه مِن عمَلِ الفاحِشةِ، وإنْ لم تدفَعْ عنِّي مَكرَهنَّ أَمِلْ إليهنَّ، وأكُنْ مِن الجاهلينَ، فاستجاب اللهُ ليوسُفَ دعاءَه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأةُ العزيزِ وصَواحِباتُها مِن معصيةِ الله، فهو سبحانه سميع عليم.
ثمَّ ظهر للعزيزِ وأصحابِه - من بعدِ ما رأَوا الأدلَّةَ على براءةِ يوسُفَ وعِفَّتِه- أن يسجُنوا يوسف إلى مُدَّةٍ مِن الزَّمَن؛ لينقطِعَ بذلك الخبرُ، ويتناساه النَّاسُ.