وسيطول المقام لو استرسلنا في ذكر الآيات الدالة على عاقبة الصبر في الآخرة، وأما عاقبته في الدنيا فهي إما الموت على الحق - وقد سبق كلام ابن القيم فيه - أو الفرج بعد الشدة، وهي التي ستأتي.
ـ ثالثا: إن الفرج آت مهما طال البلاء: سواء كان الفرج بانتقال العبد من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الأذى والابتلاء إلى دار الجزاء والنعيم - وهي التي مضت - أو كان بتجاوز البلاء والتمكين في الأرض. وهذا فيه عون كبير على الصبر والتصبر.
قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} (34) سورة الأنعام.
قال ابن كثير: (هذه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا كما لهم النصر في الآخرة ولهذا قال: {وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ} (34) سورة الأنعام، أي التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين). إلى أن قال رحمه الله: وقوله: {وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} أي من خبرهم كيف نصروا وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.
ومثل ذلك قول الله تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء} (110) يوسف.
وعندما يشتد الابتلاء وتستحكم الفتنة فلا ينبغي لنا أن ننسى قول الله تعالى: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} (7) سورة الطلاق، وقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا - إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} (5) (6) سورة الشرح.
ـ وروى البخاري عن ابن عيينة قال: (ولن يغلب عسر يسرين) ، ومما قيل شعرًا في الفرج بعد الشدة،
ـ قول الشافعي رحمه الله:
صبرًا جميلًا ما أقرب الفرجا ... من راقب الله في الأمور نجا