والمبتلى حين يتوجه إلى الله بالدعاء لا بد أن يتذكر ويستحضر أنواه الابتلاء، وأسباب التخاذل، وثمار الابتلاء وهي موضوع هذا البحث - فيسأل الله أن يعافيه من الأنواع التي هو واقع فيها، وأن يكفيه شر ما لم يقع فيه، وأن يرزقه الثبات والصبر والاحتساب، وأن يكون هذا البلاء مطهرة لذنوبه ورفعة لدرجاته، ومع هذا كله لا بد أن يكون القلب حاضرًا قويًا موقنًا بالإجابة، محسنًا الظن بالله تعالى، مع انتفاء موانع الإجابة.
قال ابن القيم رحمه الله (والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحًا تامًا لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به الكناية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير. فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر) .
وعمومًا فالدعاء ركيزة وعامل مهم في الثبات عند الابتلاء، يبعث في النفس طمأنينة وراحة تعين على الصبر، والله سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يدعوه إذا نزل بهم البلاء، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَاسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ - فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَاسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة الأنعام، وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ} (76) سورة المؤمنون، إذًا فلا ينبغي أن يغفل عن الدعاء عند الابتلاء، فالله قد لام تلك الأمم على هذا الصنيع، ومدح قوم يونس لما أنابوا إليه، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (98) سورة يونس.
13ـ هوان المصيبة في ذات الله:
قال خبيب بن عدي - رضي الله عنهم - وهو يجود بروحه في سبيل الله، لما صلبه المشركون في مكة:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا ... على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع