قال تعالى في سورة الأعراف: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَافِكُونَ} (117) سورة الأعراف فانقلبت عصا موسى إلى حية كبيرة عظيمة، وإذا بها تبتلع حبال السحرة وعصيانهم التي خيل للناس من سحرهم أنها تسعى، والسحرة سحرة، يعلمون أن ما أتى به موسى عليه السلام ليس من السحر وإنما هو معجزة نبي، عند ذلك {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِين - قَالُوا آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ - رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} سورة الأعرافَ.
والطواغيت والجبابرة كما أنهم يتحكمون في ظاهر العباد فيقتلون من أرادوا، ويسجنون من أرادوا، ويبعدون من أرادوا، سيظنون أن لهم سيطرة وهيمنة كذلك على بواطن العباد، فلا يجوز لهم أن ترتعش قلوبهم بالإيمان أو تتحرك وتهتز بمحبة الرحمن إلا بعد إذن الطواغيت، فقال فرعون متهددًا متوعدًا: {آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ - لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} سورة الأعراف.
وهكذا الطواغيت في كل زمان ومكان، يلجأون إلى ميدان البطش والتنكيل إذا هزموا في ميدان المناظرة والبرهان العملي.
وانظر إلى السحرة بعد أن تحركت قلوبهم بالإيمان كيف صاروا أصحاب عزيمة وأبطال مواقف، يرفعون راية الإيمان، ويضحون بأنفسهم، ولا يتنازلون عن الرتبة التي رفعهم الله إليها بالإيمان، يقول لهم فرعون {لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} سورة الأعراف، وقالوا في موضع آخر {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (72) سورة طه.
كيف تغيرت القلوب الإيمان، وكيف تغيرت الأقوال والأفعال بالإيمان، وكيف تغيرت الأهداف والتصورات بالإيمان، ألم أقل إن الإيمان قوة عظيمة، ونعمة كبيرة، تغير الأقوال والأعمال والأهداف.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله (وهو أستاذ في تحليل المواقف الإيمانية) .