إذًا: لا يوجد قاعدة مطردة، ولكن من جهة الاتساع والقلة، لهذا تجد أن هذه المخالفات لهذه القواعد في الأدلة الشرعية والأدلة الكونية يعرفها من دخل في الفروع قبل أن يصل الأصول، وهم أهل التمكن والحذق، لكن الذين يدخلون في أبواب الأصول قبل الفروع تقل عنايتهم بالدليل، بخلاف الذي أخذ بالفروع؛ لأن الذي عرف الفرع ليس لديه قاعدة يعتمد عليها، وليس لديه شيء يتكئ عليه، بل أقرب شيء يتكئ عليه هو الدليل، فيتمسك بالدليل، وأما الذي يبتدئ من الأصول فإنه أخذ الأصل على أنه دليل، ثم أخذ يدخل على جميع الفروع من هذا الباب، فضعف الأخذ بالدليل عند الذي يبتدئ بالأصول أظهر من ضعف الإنسان الذي يبتدئ بالفروع، وهذه يختلف بحسب طريقة التلقي؛ لهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى أخذوا المسائل الفرعية من النبي عليه الصلاة والسلام كل مسألة بدليلها حتى تألفت جملة المسائل، فألحقوا ذلك بالقواعد العامة التي يأتي الكلام على شيء منها بإذن الله تعالى.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وفي بحار العلم من سفن النجارام الأمان في الدوام والتجافسار في نور التجلي معلنانحو الكتاب بالأمان والمنىجل الذي قد حير العقولافلم تجد لسيرها سبيلا] .الله سبحانه وتعالى قد أحكم كتابه كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ [هود:1] وقد جعل سبحانه هذا الإحكام منضبطًا للبشر، وجعل له استثناء لا يلغي تلك القاعدة، وإنما يلغي نزول الحكم على أعيان من الناس رحمة ورأفة؛ ولهذا يرفع التكليف عن أحد من العباد ولا يرفع عن العامة، فالاستثناء يقع على الأفراد ولا يقع على الجميع، وهذا دليل على الإحكام، وهو ورود الاستثناء على أفراد لا الاستثناء الذي يبطل القاعدة الكلية؛ ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى هذا العلم علمًا محكمًا في كتابه سبحانه وتعالى.