وباعتبار آخر قواعد قوية وقواعد ضعيفة، وإنما قلنا: قواعد قوية وقواعد ضعيفة؛ لأن الاستثناء إذا طرأ على القاعدة وكثر ضعفت القاعدة، وهذا كما أنه في أصول الفقه كذلك في أصول الحديث وأصول اللغة، وإذا قلنا: إن هذه القاعدة الأصولية لديها استثناء، والاستثناء في القواعد ينبغي أن يكون قليلًا، وكلما قل الاستثناء لهذه القاعدة أصبحت القاعدة قوية، وإذا كان الاستثناء لها كثير بدأت تضعف هذه القاعدة.
قال رحمه الله تعالى: [واستعذبوا موارد التقليدفأبعدوا عن مواطن التأييد] هنا يظهر من المصنف رحمه الله أنه يشير إلى أن معرفة أصول الفقه هي ضد التقليد، وأن من استعذب التقليد فقد ترك أصول الفقه، ومن أخذ بأصول الفقه فإنه يتخلى أو يتجرد من التقليد، وهذا أراد به التغليب وأن من أخذ أصول الفقه يلزم من ذلك أنه يعرف الأدلة الخاصة والأدلة العامة، وإذا كان على هذا المعنى فالمعنى صحيح، وإذا كان المراد بذلك أن من عرف القاعدة العامة ولم يعرف الدليل المخصوص لمسائل معينة أنه من أهل الاجتهاد وليس من أهل التقليد فهذا ليس بصحيح، فلا بد من معرفة الأدلة الخاصة التي يعرف بها الإنسان الاستثناء، ولا يضطرب عند تنازع قاعدتين لمسألة نازلة؛ ولهذا نقول: إن المجتهد لا يمكن أن يكون مجتهدًا إلا وقد عرف أصول الفقه على الطريقة التي تبصره بمعرفة النوازل، ولا يلزم من ذلك معرفة المسائل الشرعية المخصوصة؛ لأن مردها إلى معرفة الدليل بعينه، فإذا عرف الدليل بعينه أغناه ذلك عن إلحاقها بالقاعدة، ولو ألحقها بالقاعدة زيادة على الدليل المخصوص كان من أهل التمكن والتبصر.
والمقلد: هو الذي يتجرد من معرفة الدليل بالكلية، ومعلوم أن الأدلة تتباين عند الفقهاء، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما هو عليه عامة العلماء، فيتفق العلماء على أربعة أدلة: أولها: الكتاب، وهو القرآن الكريم.