قال رحمه الله تعالى: [سوى الذي روى سعيد المجتبىفإنه الصحيح فاطلب مأربا] ويظهر من كلام المصنف أنه يفرق بين الحجة وبين الصحيح، وأن الاحتجاج شيء والصحة شيء، يعني أن الاحتجاج قد يكون بحديث ضعيف، وقد يكون بصحيح، وهنا استثنى ما جاء من مراسيل سعيد بن المسيب، قال: (فهي صحيحة) وسبب هذه الصحة أن الغالب في مراسيل سعيد بن المسيب أن معانيها صحيحة والعمل عليها يجري، ولكن ثمة مراسيل لا يعمل بها العلماء، وذلك كما رواه أبو داود عن سعيد بن المسيب مرسلًا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من ضرب أباه فاقتلوه) ، هذا مرسل، ولكن لم يعمل به حتى الإمام الشافعي الذي يعتد بمراسيل سعيد بن المسيب، كذلك أيضًا مرسلة في دية أهل الكتاب لم يعمل به الإمام الشافعي رحمه الله؛ لهذا نقول: إن صحة المعنى لا يعني صحة الإسناد، ونستطيع أن نقول إنه كلما تقدمت طبقة الراوي الذي أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم قوي القول بصحة مرويه.
قال رحمه الله تعالى: [باب الإجماع. وما عليه فقهاء العصربعد النبي المصطفى ذي الطهرعن اتفاق في أمور تحدثفهو الصحيح ما سواه محدث] مسألة الإجماع تقدم الإشارة إليها، وأن الإجماع من الأدلة الإجمالية التي تدخل في أبواب علم الأصول، قال: (وما عليه فقهاء العصر) ، يعني لابد أن يطبق أهل زمن في عصر معين، لا أن يجمع قول واحد من عصر مع قول واحد من عصر آخر، ثم يؤلف بينها فيقال: أجمع هؤلاء، ويسمى إجماعًا على الاصطلاح، فقوله: [بعد النبي المصطفى ذي الطهرعن اتفاق في أمور تحدثفهو الصحيح ما سواه محدث] في قوله: (بعد النبي) ، يعني: أنه في زمن النبي ينبغي أن يرجع إلى الدليل، وقوله: (في أمور تحدث) ، أي: ما لم يحدث بل كان في زمن النبي ينبغي أن يرجع فيه إلى الدليل، وأما الأمور النوازل والأمور الحادثة فهذه مما يجتهد فيها الإنسان، ويقع فيها الإجماع.