وأصول الفقه إذا أردنا أن ننظر إليها من جهة التعلم والتفقه نعلم أن محلها الأدلة الإجمالية كما تقدم الإشارة إليه، وليست المباحث الفرعية، فضلًا عن أن تكون هي من جهة الأدلة التفصيلية، ومعرفة القضايا العينية أو معرفة العلة، وكذلك أيضًا مدار الحكم على مسألة بعينها، فضلًا عن أقوال الأئمة القائلين بهذه المسائل، وإنما هي قواعد عامة من جهة الاستدلال، فأراد المصنف رحمه الله أن يبين حقيقة هذا العلم والمقصد من وجوده، وكذلك أيضًا التأليف فيه وتعليمه وتعلمه.
قال رحمه الله تعالى: [أمر ونهي والقياس في الطلبفعل وإجماع بذال يصطحبتلك الأدلة على الإجماليليهما كيفية استدلال] تقدم معنا أن موضوع وحقيقة أصول الفقه: معرفة الأدلة الإجمالية، وليس معرفة الأدلة التفصيلية؛ إذ أن الأدلة التفصيلية هي معرفة الحكم العيني بدليله، والقائل به، وكذلك وجه الاستدلال، وهذا ليس محل ما يسمى بأصول الفقه. فأراد رحمه الله أن يبين ما هي هذه الأدلة، فذكر أنها (الأمر والنهي والقياس في الطلبفعل وإجماع بذال يصطحب) يعني: أراد أن يبين أن هذه هي الأدلة الشرعية التي سنشرع فيها. وتقدم معنا: أن الأدلة عند العلماء منها ما هو متفق عليه، وهو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، باستثناء ما يذهب إليه بعض أهل الظاهر من نفي بعض صور القياس، وهو ما يسمى بقياس الشبه وما دونه، وأما بالنسبة لقياس الأولى على اختلاف عندهم في تحقق الوصف فيه، فإنهم يقولون به، كما هو ظاهر في استدلال ابن حزم رحمه الله في كثير من المواضع، وجرى على نهجه بعض أئمة أهل الظاهر من المتأخرين، وكذلك بعض الفقهاء من المتمذهبين في بعض أنواع الأقيسة. وقد ذكر بعد ذكره للأمر والنهي، وكذلك أيضًا القياس في الطلب، والفعل، والإجماع، أن هذه الأدلة على الإجمال هي المرادة بالأدلة الشرعية.