قال رحمه الله تعالى: [وحجة لعصره ومن أتىمن بعدهم في أي عصر ثبتا] في أي عصر يأتي بعدهم فالحجة في الرجوع إليهم؛ لهذا ينبغي لطالب العلم في مسائل الإجماع أن ينظر إلى الإجماع من جهة تحقق ثبوته، وأن ينظر إلى الزمن السابق له، فإذا ثبت إجماع آخر فلا عبرة بهذا الإجماع؛ ولهذا تمتلئ كتب الفقه بحكايات إجماع سكوتي أو إطباق أهل بلد فنقول: لا عبرة به؛ لأن المراد بذلك هو إجماع الأمة، ثم إن ثبوت الإجماع في الأزمنة المتأخرة متعذر؛ وذلك لشتات الناس وكثرة مذاهبهم وأهوائهم، أما الزمن الأول فثبوت الإجماع فيهم ممكن مع عسره، وكل ما تقدم الزمن كان ثبوت الإجماع أظهر وأقرب، فيكون في زمن الصحابة أقوى من زمن التابعين، وفي زمن أتباع التابعين أقل من زمن التابعين وهكذا يقل شيئًا وشيئًا؛ لهذا نقول: إنه ينبغي أن تضبط مسائل إجماع الصحابة في ذاتها، ومن عجب أن الإجماع الذي يحكيه العلماء في مصنفاتهم جمع، وإجماع الصحابة لم يجمع، ولم يصنف فيه أحد مع قوته وجلالة قدره، وكذلك أهميته وفضل ذلك الزمن، وهو أعلى القرون فضلًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: [ولا اشتراطًا لانقراض العصرعن الإمام أحمد ذي الفخر] من العلماء من لا يشترط انقراض العصر، وهذا قد تقدم الكلام عليه، وأن مسألة اشتراط انقراض العصر هذه من مواضع الخلاف، فمنهم من يشترط انقراض العصر، ومنهم من يقول: إذا ثبت وأجمعوا على ذلك فبشرية الإنسان التي رأت بعد ذلك الإجماع لا تخالف بشرية غيره ممن جاء بعده ورأى غيره، فإذا سوغنا له أن يخرج عن الإجماع الذي انعقد وهو معهم فإننا نسوغ خروج من جاء بعدهم كذلك؛ لأنه بشر في ذاته، لذا من العلماء من قال بعدم اشتراط انقراض العصر، وهو ظاهر قول الإمام أحمد رحمه الله، ومن العلماء من اشترط انقراض العصر، والأول أولى.