والمنظوم عند الفقهاء من الحنابلة في أصول الفقه قليل جدًا، ولكن المصنفات في الأصول كمتون مختصرة وكذلك مطولة ليست بالقليلة في المذهب، وهذه الرسالة سماها المصنف"رشف الشمول"وهذا إشارة إلى اختصارها، والرشف: هو شرب الماء القليل، ومعلوم أن الإنسان إما أن يشرب ماء كثيرًا أو يشرب ماء قليلًا، وأشار بهذا إلى أن هذه المسائل هي مسائل مختصرات، والشمول: هو الماء الذي أصابه هواء الشمال فأصبح باردًا، ويرشف: يعني يُشرب على يسر من غير مشقة، وقيل أن المراد بالشمول: هو الخمر، ويبعد أن المصنف رحمه الله قصد ذلك، وقد نص على هذا المعنى أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره.
وابتدأ المصنف رحمه الله هذه الرسالة بقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) هذه الطريقة اقتداء بكلام الله، وكذلك بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكاتباته، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم) وهذا أيضًا هو منهج أصحابه عليهم رضوان الله تعالى في المكاتبات، والابتداء بالبسملة قد جاء فيه الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله: (كل أمر لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم) وهذا الحديث معلول، ولا يصح موصولًا، والصواب فيه الإرسال كما صوب ذلك غير واحد من الأئمة، كالدارقطني وغيره، وقد رواه الخطيب البغدادي وغيره مرسلًا وموصولًا، ورواه أيضًا الدارقطني. وإنما وقع الخلاف عند العلماء في مسألة ابتداء الأشعار ببسم الله الرحمن الرحيم، فمنهم من حكى الإجماع في هذا على المنع، ولعلهم أرادوا بالأشعار؛ الأشعار التي يكون فيها المجون والوصف الفاحش ونحو ذلك، ولا يريدون بذلك المنظومات العلمية أو الكلام الموزون.