وأراد المصنف رحمه الله أن يبين منزلة الإجماع، وأنه من الأدلة المتفق عليها، والإجماع لا خلاف عند العلماء فيه، وتقدم معنا تعريفه، وأعلى الإجماع وأفضله وأقواه هو إجماع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله جل وعلا أمر باتباع سبيل المؤمنين، وبين النبي صلى الله عليه وسلم كما يروى في الخبر -وقد تكلم فيه العلماء- قال: (إن الأمة لا تجتمع على ضلالة) ، وهذا محل اتفاق عندهم، وبالنسبة لإجماع الصحابة فإنه يعرف بالنقل، فأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام حكي الإجماع عنهم في بضع مئين من الحكايات والمواضع، وهي تقرب من ثلاثمائة موضع، بعضها يتعلق بالأصول الكلية، وبعضها في أعلام المسائل ومشهورها من جملة الفروع. أما اصطحاب الحال أو اصطحاب الأصل فهو أيضًا من الأدلة عند العلماء، فمما يقول به جمهور العلماء: إن الإنسان إذا لم يكن لديه دليل ناقل عن الأصل، فيبقى على الأصل الذي هو عليه، فإذا كان على حكم معين فيستديمه الإنسان. مثال ذلك: أن الإنسان لا يدري هل هو مقيم أو مسافر، والأصل فيه الإقامة، فيكون الأصل في ذلك أنه مقيم؛ باعتبار أن الشك إنما ورد على السفر لا على الإقامة، والأمر أيضًا بعكسه في حال الإنسان إذا كان مسافرًا فشك هل هو مقيم أم لا، والعلماء يخرجون من ذلك مسألة الاحتياط في هذا. وأما بالنسبة لمسألة اصطحاب الأصل فإذا كان الإنسان يعلم أن فلانًا جاره اليهودي لا يطبخ إلا لحم خنزير، فالأصل فيه أنه لا يطرأ عليه شيء يخالف ذلك لو قدم إليه طعامًا، باعتبار أن هذا هو الأصل. وثمة أدلة مختلف فيها عند الفقهاء، وهي ما يتعلق بمسألة الاستحسان وضده الاستقباح، وكذلك مسألة المصلحة، وأفعال الصحابة، والعرف أو العادة، وغير ذلك من الأدلة التي هي من مواضع الخلاف عند العلماء، فذكر رحمه الله أن هذه هي الأدلة على سبيل الإجمال، وأما التفصيل فإنه سيشير إليها فيما يأتي بإذن الله تعالى.