فالنبي عليه الصلاة والسلام من أفعاله الجبلية أنه إذا مشى كأنما يمشي من صبب، أي: كأنه منصب من قمة الوادي إلى بطنه، من رأس الجبل إلى أسفله، فنقول: إن مثل هذا جبلة، فالإنسان قد يكون سريعًا، وقد يكون بطيئًا، وقد يكون متراخياَ، وقد يكون مائلًا أو نحو ذلك، فهذه من المشية التي لا يختارها الإنسان، ويدخل في ذلك ما يسمى بالتشهي، من تشهي الإنسان لطعام معين ونحو ذلك، فإذا اختار الإنسان طعامًا معينًا بعينه فهذا مرده إلى الجبلة، كأكل الدباء، أو الكتف من الشاة ونحو ذلك، فهذه يختارها الإنسان جبلة؛ ولهذا تجد الناس في بيت واحد هذا يحب طعامًا، وهذا يحب طعامًا، وهذا يحب طعامًا، من غير اختيار من أب أو أم، وهذا أمر فطري لا علاقة للإنسان به. لهذا نقول: إن أكل الدباء ليس بسنة، ونهس الإنسان من الكتف ليس بسنة، ولكن هذا من أمور الجبلة التي يجبل عليها الإنسان بحبه طعامًا بعينه، إلا إذا دلت قرينة صارفة عن ذلك، وذلك بفعل الأمر المقترن، أو كذلك حث غيره عليه، فاقترن الفعل بالقول، فعرف أن المراد بذلك التشريع، وهذا يدخل فيه كثير من الأمور: كمسألة شرب ماء زمزم ونحو ذلك؛ فإن هذا لم يكن مجرد فعل، ولو ذهب النبي عليه الصلاة والسلام إلى مكة وشرب من ماء زمزم ولم تأتِ أدلة بالحث عليه وبيان فضله، لقيل بأن هذا من أمور العادة، وهو بئر من الآبار، ولكن اقترن الفعل بحث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيان فضله، فكان ذلك من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم العملية والقولية.