هنا ذكر العلم الضروري وهو ما لا يحتاج إلى تأمل ونظر، وذلك كمعرفة أن الجزء أصغر من الكل، وأن السماء فوق الأرض، والأرض تحت السماء، وأن الابن أصغر من الأب، والأب أكبر من الابن، هذه أمور بديهية، وعلم ضروري يعلمه الإنسان ولا يحتاج فيه إلى تأمل، كذلك أيضًا في عمليات الحساب البديهية التي يعلمها الإنسان. والعلم الضروري يتحقق للإنسان بعد شيء من نظر سابق فاستقر لديه فتمحص، فأصبح مستقرًا لديه، فأصبح وصف ذلك العلم الوارد إليه علمًا ضروريًا، والعلم الضروري إثباته شاق، واليقين فيه شاذ، وذلك أنه لو أراد شخص منك أن تثبت له أن الذي أمامك هو فلان، فإنك تأتيه بشاهدين وانتهى الأمر، أو تأتيه بأبيه يقول: هذا ابني، أو بابنه يقول: هذا أبي، فربطته بأصله وفرعه فثبت أنه فلان، ولكن أن تأتي فلان ويقول: أثبت لي أن السماء فوق الأرض، كيف تثبت له؟ فهذا إثبات مادي، وهو من الأمور الصعبة؛ لأن مردها القطع والعلم الضروري، وهذه من الأمور التي يأخذها الإنسان ضرورة.
وأما بالنسبة للعلم النظري الذي يحتاج فيه إلى تأمل، فقد ذكرنا أن نظر وتأمل الإنسان في المعقولات يسمى النظر، وتأمل الإنسان في المحسوسات يسمى تخيل. قال رحمه الله تعالى: [وإن يكن بذاك فهو المكتسبوالكل تصوير وتصديق وجب] لا يمكن أن يتحقق للإنسان العلم النظري إلا بالتصور والتأمل، والتصور يسبق التصديق والتكذيب، فيتصور الإنسان ثم يصدق أو يكذب؛ ولهذا نقول: إن العلم على قسمين: ضروري، ونظري، والنظري ما يحتاج إلى نظر وتصور، فيتصور الإنسان ثم تصح لديه النتيجة، فيصدق أو يكذب، ونستطيع أن نقول: إن العلم على نوعين: نافع وضار، والنافع هو الذي في مباحثنا هذه، وقد يكون العلم ضارًا بذاته نافعًا بلزومه كمعرفة أنواع السموم والأمور القاتلة في ذاتها، هي في ذاتها ضارة ولكن بلزومها نافعة للتوقي منها.