لهذا جعل الله عز وجل للبشر سنًا معينًا، قد يقول قائل: إن الأزمان السابقة كنوح وغيره كانت أعمارهم بالألف ونحو ذلك فنقول: العلم المكتسب من الأمم السابقة قليل؛ لأنهم أول الأمم، والعلم الموروث بدأ يزيد وينتقل شيئًا فشيئًا، وكلما جاء جيل ومات الشخص مات معه أكثر من شطر علمه، وبقي الشطر الباقي، منهم من يستفيد منه شيئًا ومنهم من لا يستفيد؛ ولهذا الله عز وجل يقضي على الإنسان، ويقصر في عمره، ويأتي سبحانه وتعالى بالأنبياء لصلاح البشرية، لماذا؟ لأنه قد زاد في أبواب العلم؛ ولأن قدرة الإنسان البشرية لا يمكن أن تتقبل مثل هذه الزيادة من العلم؛ لأن الطاقة البشرية لا تطيق أن تتعلم أكثر من هذا، وبقاؤها بدون رسول فساد من جهة العقل والتطبيق؛ ولهذا نقول: لا بد من ضبط العلم كما يضبط أمر الطعام والشراب، وإلا لفسدت البشرية حينئذ كما تفسد الأبدان؛ ولهذا نقول: إن الله جل وعلا جعل لكل شيء قدرًا، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن البشر ما أوتوا من العلم إلا قليلًا؛ ولهذا يقول هنا رحمه الله: (وإن يقل: هو صفات تنكشفبه الأمور بالتمام قد عرفوالعلم كالمعلوم في التفاوتيراهما أهل الكلام الثابت)
العلم - كما تقدم - على قسمين: علم ضروري، وعلم نظري، وتقدم الكلام على هذا التقسيم، وكل ما كشف عنه الإنسان فهو علم، ولكن العلم منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، والعلم المحمود الذي يعود على الإنسان بالنفع، والمذموم الذي يعود عليه بالمضرة، فالجهل بالعلم الضار علم بذاته.
قال رحمه الله تعالى: [وعده ضرورة حيث وردمن دون فكر أو دليل يعتمد] .