إذًا: لا يمكن أن يصار إلى قياس إلا بورود دليل من الكتاب والسنة، والكتاب والسنة متلازمة من جهة قوة الاحتجاج، وأما من جهة الثبوت فالقرآن كله متواتر، والسنة فيها المتواتر وفيها الآحاد، وفيها اليقين وفيها الظن، القرآن كله قطعي الثبوت، وأما الدلالة ففيه القطعي وفيه الظني، فيه ما هو ثابت بذلك فيما أمر الله عز وجل به من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وغيرها، وفيه ما هو ظن يحتمل أحد الأمرين، كتفسير القرء كما في قول الله جل وعلا: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] هذا ظن، القرء المراد به الطهر أم المراد به الحيض، كذلك أيضًا في قول الله جل وعلا: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [الأنعام:141] فالحق في ذلك عام لكل مقدار فهو في ذلك ظني الدلالة، المراد بذلك النصاب معلوم النصاب، وهل يدخل في ذلك الحصاد الذي يحصد في السنة مرتين؟ أم المراد بذلك هو في الحول الواحد؟ أو المراد أن هذه الآية جاءت على التغليب؛ لأن غالب المحاصيل لا تكون إلا في السنة مرة؟ فهذا ينظر فيه، فالإنسان مثلًا الذي يحصد بعض النباتات التي يزرعها الإنسان كالذرة أو مثلًا البرسيم أو غير ذلك تجده في العام ربما أكثر من مرة وربما مرات في مثل ذلك، هل هذا مثلًا فيه في كل حصاد يفعله الإنسان؟ أم أن ذلك متعلق بالحول بأن ينظر الإنسان في مخرجه في الحول ثم يخرجه؟ نقول في هذا: إن ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى الأصل فيه القطع، من جهة الدلالة ومن جهة الدليل، وفيه ظن من جهة الدلالة، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام فيهاوالنقاد يبينونها. وأما القياس فإنه يأتي بعد الإجماع؛ وذلك لقوة الإجماع، ومن العلماء من يقدم الإجماع، وتقدم الكلام على هذا وعلته في التقديم، والقياس على قسمين: جلي وخفي، وتقدم الإشارة إلى هذا، والعلماء يقدمون الجلي على الخفي.
قال رحمه الله تعالى: [باب الاجتهاد] .