والذي يظهر والله أعلم أن الشريعة جاءت ببيان الفروع ابتداء أكثر من بيان الأصول، فجاءت بالأحكام التفصيلية، ثم جاءت بالأحكام العامة الأصولية، والأحكام الفرعية اقترنت ببعض الأحكام الأصولية، وهذا لا ينفي وجود القواعد الأصولية في الشريعة ابتداء، ولكن الأكثر أن الشريعة جاءت بطرح الفروع أكثر من طرح الأصول، ثم بعد ذلك لما اكتملت الأجزاء والصور وضعت قواعد عليها، وهي شبيهة بالمظلات التي يضعها الإنسان ويجمع تحتها مجموعة من الفروع، كما يجمع الإنسان مجموعة مثلًا من الزروع في أحواض ونحو ذلك يجمعها، فهذا لنبتة كذا، وهذا لنبتة كذا، وهذا لنبتة كذا، بعد أن زرعها واحدة واحدة أطلق بعد ذلك عليها الأسماء، هذا حوض كذا، وهذا حوض كذا، ونحو ذلك، ومن العلماء من يميل إلى معرفة الأصول ابتداء قبل أن يبتدئ بالفروع، يعني: أنه يسمي هذا الأمر أنه لباب كذا، ثم ينشئ لديه فروعًا، قالوا: لأن الشريعة قد اكتملت لدينا أصولًا وفروعًا، والمشرع إنما جاء ابتداء ببعض الفروع وبعض الأصول، وجاءت الفروع طاغية على الأصول من جهة البيان؛ لأن الأصول لا يمكن أن تفهم إلا بمعرفة أجزائها، لهذا نجد أن الأصوليين حينما يتكلمون على قاعدة معينة يكثرون من ضرب المثال فيها؛ حتى يثبت صحة هذا الأصل من عدمه؛ لأن الأصل لا يمكن أن يصح إلا بمعرفة مجموع أجزائه وفروعه، وإلا لا يعتبر أصل؛ لأن الأصل هو الذي يبنى عليه غيره، وهذا الغير الذي يبنى على ذلك الأصل لا بد أن يعرف عدده، فإذا كان كثيرًا كانت هذه القاعدة كلية، وإذا لم يكن كثير وإنما أصبح قليلًا فإنها تكون من القواعد الفرعية، ويأتي الكلام عليها بإذن الله تعالى.