فينبغي للإنسان إذا عرف هذه السعة وهذا الإحكام أن يعلم أولًا: ضعفه، ثانيًا: أن يسأل المزيد، ثالثًا: أن ينسب ما لديه من معلوم لله سبحانه وتعالى، وهذا ما يغفل عنه كثير من المتعلمين، وهو أنهم إذا اكتسبوا شيئًا من المادة من أمر الدنيا ورزقها نسبوه إلى الله وشكروا المنعم عليه، وهذا يظهر عند كثير من الصالحين، ولكن نسبة المعلومات لله هذا مما يضعف عند كثير من المتعلمين، بل عند كثير من الصالحين، فينبغي أن يحمد الله على أي علم أوتيه حتى يزاد في الحق والخير الذي آتاه الله جل وعلا إياه لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم:7] ، وإذا لم ينسب الإنسان ذلك العلم لله جل وعلا فإن الله سبحانه وتعالى يحرمه ذلك، يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح: (إن الله ليرضى عن العبد بالشربة يشربها فيحمد الله، وبالأكلة يأكلها فيحمد الله) إذا كانت شربة، فكيف بالمعنى الذي يظهر للإنسان، فينبغي أن يحمد الله على كل معنى فتح الله عز وجل به عليه، فإن هذا إشارة إلى المزيد، ويظهر كفر الخالق سبحانه وتعالى من عباده في أبواب العلوم حيث إن الإنسان ينسب العلم كثيرًا إلى نفسه، وكذلك أيضًا ينبغي أن يُعلم أن نسبة خلق المعلومات إلى الإنسان كنسبة خلق المادة للإنسان، فإذا قيل: أنا خلقت هذا، أو خلقت هذه المادة، فإن هذا مشابه لقول الإنسان: أنا أوجدت هذا الشيء، وأنا أول من فعله، وهذا من المعاني الخطيرة، فينبغي أن تنسب المعلومات لله، فالله عز وجل هو الذي خلق كل شيء، حتى ما كان في أذهان الإنسان من مدركات ومعلومات.
قال رحمه الله: [ففوضتْ أمورها للنقلفزال غين القلب ذا بالصقل] يقول: (ففوضت أمورها للنقل) كلما تحير الإنسان انقاد لكل داعي، المتحير يتحير بكثرة المعلومات المتضادة، أو بوجود الجهل المستحكم، هذان الأمران هما اللذان يجعلان الإنسان يتحير.