ويقول: (وحجة النحرير والحبر المجد) أشار إلى معاني المجتهد، وكأنه عرفه بأنه هو النحرير والحبر المجد، أي أن علم الأصول هو الحجة التي يعتمد عليها المجتهد، ونقول: إن الأدلة إما أن تكون أصولية، وإما أن تكون فرعية، فالأدلة الأصولية هي: أن يفهم الإنسان أن مرد هذا الأمر إلى هذه القاعدة سواء من الكتاب، أو من السنة، أو أيضًا من الإجماع، أو من القياس، ولدينا أدلة تفصيلية بذاتها في قضية بعينها، تستطيع أن تستدل بهذه الأدلة الفرعية التفصيلية، وتستطيع أن ترجع ذلك إلى القاعدة الكلية الأقوى، وذلك كحال الإنسان إذا أراد أن يستدل بحكم شرعي مثلًا بقتل القاتل، فإنه يستدل بالقواعد العامة كدرء المفاسد، أو المسلمون تتكافأ دماؤهم، لكن من جهة الدليل الخاص يستدل بقتل القاتل العمد من الكتاب ومن السنة، فالدليل التفصيلي هو أقوى من الدليل العام، وهذا يؤكد ما تقدم الإشارة إليه من أن ترقي الإنسان في معرفة الفروع بأدلتها حتى يصل إلى معرفة الأصول أقوى. وينبغي للإنسان أن يعلم أن أخذه لعلم الأصول ينبغي أن يكون أخذًا يسيرًا إذا ابتدأ بطريقة معرفة الفروع قبل معرفة الأصول، وذلك أيضًا يؤيده الأمر الفطري في الإنسان، فالإنسان كلما ابتدأ بعلم من العلوم فإنه ينشط في ابتدائه، ونشاطه في الفروع أولى من نشاطه بالأصول؛ لأنه إذا أخذ الأصول وتوسع فيها ضعف في أخذ الفرع، وإذا توسع في الفروع سهل عليه مجرد وضع الأصول؛ لأنه قد سبق تعلمه لهذه الفروع، وهذا من توفيق الله عز وجل للإنسان.