فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 215

ولهذا نقول: إن المباح في ذاته من جهة الأصل لا كلفة فيه؛ باعتبار أن النفس ترغب فيه، وأما بالنسبة لعمله فإنه يرد في ذلك كلفة ولكنها محبوبة لدى الإنسان، كما في حال العبادة أيضًا فالإنسان يكلف بالأمر الواجب، ولكن الواجب قد يصبح لدى بعض الناس الصالحين محببًا على كثير من ملذات أهل الشهوات، فيجد متعة في العبادة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة: (وجعلت قرت عيني في الصلاة) ، فالنبي عليه الصلاة والسلام جعل الله قرة عينه في الصلاة، أي كما تقر عين الإنسان بالمال وبالزوجة وبالولد جعل الله عز وجل قرة عين النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة، وهذا مقام على أن الإنسان أن يتشوف إليه، والأصل في ذلك أنها كلفة، ويخرج من ذلك الحال النادرة.

وذكر هنا أول هذه الأقسام فقال: (وإن يعاقب أو يثبه التاركفواجب مكروه قد يشارك) الوجوب في لغة العرب: هو السقوط؛ ولهذا قال الله عز وجل: فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا [الحج:36] أي: سقطت، وإنما سمي الواجب واجبًا؛ لأن الله أنزل وأسقط حكمه في الأرض، فأنزله من السماء إلى الأرض فسمي واجبًا؛ ولهذا نقول: إن اللفظ في لغة العرب جاء موافقًا لبعض الاستعمالات الشرعية، كما جاء في الصحيح في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) ، أي: مشروع أنزله الله عز وجل علينا. فالوجوب هو السقوط والنزول من علو، وهذا فيه إشارة إلى تشريف ذلك المأمور به؛ لهذا كان المأمور الواجب أفضل وأعظم عند الله من غيره باعتبار كونه منسوبًا إلى العلو، وذلك أن الإنسان إذا أُمر من شريف امتثل ذلك الأمر وعينه قريرة؛ لهذا كان فعل الواجبات أعظم من فعل المستحبات على الإنسان وأعظم أجرًا، فكل واجب أعظم من المستحب من جنسه ومن غير جنسه إلا بقرينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت