وأغلب القرآن عام، وهو غائي بمعنى أنه يأتي بأقصى المعاني أو غايتها؛ ولهذا يقول الشاطبي رحمه الله: إن القرآن غائي، والمراد بذلك أنه يأتي بأقصى المعاني، وما يندرج تحته من جملة هذه المعاني يأتي لها مخصص، وغالب تخصيص القرآن يكون بالسنة، ولكن قد يأتي تخصيص القرآن بالقرآن بذاته؛ ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى في بيان تخصيص القرآن بعضه ببعض في شأن المطلقات: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228] فهنا ذكر المطلقات بلفظ عام، وهذا يشمل أي مطلقة سواء كانت هذه المطلقة مدخولًا بها أو لم يدخل بها، ولكن خصص الله جل وعلا ذلك بالمدخول بها، وأما من لم يدخل الإنسان بها فإنه ليس عليها عدة، كمال قال سبحانه: فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب:49] ، فالله جل وعلا إنما جعل هذه العدة للمرأة التي يدخل بها، أما التي لا يدخل بها فإنه لا عدة للرجل عليها. إذًا: فالقرآن يخصص نفسه، وقد يأتي تخصيص القرآن من السنة، وهذا هو الأكثر؛ لأن السنة مبينة للقرآن، وغالب السنة التفصيل والتعيين وهي شارحة للقرآن؛ ولهذا أمر الله عز وجل بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن طاعته مبينة لطاعته جل وعلا، وقد قرن الله طاعته بطاعة رسوله في مواضع كثيرة، منها قول الله جل وعلا: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [المائدة:92] ، وقرن أيضًا معصية رسوله بمعصيته سبحانه وتعالى.