وفي هذا أنه لو ذكر المصنف رحمه الله هنا صيام رمضان لكان أظهر، وذلك أن صيام رمضان ابتداء ما كان واجبًا عينيًا، بل من أراد أن يصوم فليصم، ومن لم يرد أن يصم فليطعم، إذًا المسألة على التخيير، ثم أوجبه الله عز وجل عينًا على المستطيع، ولا تقبل الكفارة إلا ممن كان معذورًا، ويستدلون أيضًا بقول الله عز وجل: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106] ، قالوا: الخيرية في ذلك لا تحقق إلا في الفرض؛ لأن النفل لا يكون أفضل من الفرض، وإنما يقوى أمره ليكون أعظم من غيره، ومعلوم أن الفرائض أعظم أجرًا للإنسان من النوافل؛ لهذا يرون أن كل نسخ من إباحة إلى سنية فالسنية أفضل من الإباحة، ومن سنية إلى فرض فالفرض أفضل، وهو المقصود في قوله جل وعلا: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106] ، ويحتمل أن المراد بالخيرية هنا الخيرية للناس والنفع باعتبار أن الشريعة تامة، وأن الله سبحانه وتعالى يفرض ما هو أصلح للعباد. يقول هنا: (فحكمه بالخلق حيث شاء) يعني: حيث شاء المكلف، والخلق حيث إن شاءوا صاموا عاشوراء أو لم يصوموا، يعني أنه كان فريضة ثم نسخه الله إلى نفل، نقول: إن الله عز وجل نسخ صيام عاشوراء عند فرض رمضان، فنسخه إلى بدل أعظم، لكنه في ذاته ملتزم بغيره، كمن يقول مثلًا: إن العمرة كانت في ابتدائها فريضة، ثم جعلها الله سنة لما فرض الحج، هل هذا نحمله على التخفيف أم الأشد؟ نحمله على الأشد؛ لأنه من جنسه فهو قصد البيت، كذلك في مسألة الصيام والإمساك، فإمساك يوم الفرض أخف من إمساك ثلاثين يومًا؛ ولهذا نسخ الله صيام يوم عاشوراء، وجعله سنة زائدة على صيام رمضان، لكن لو نظرنا إليه بذاته على أنه عبادة مستقلة نقول: إنه للتخفيف، ولكن لا ننظر إليه بذاته، وإنما ننظر إلى تشريع الصيام، ولهذا نقول: الصيام شرعه الله عز وجل في ابتدائه مخففًا، ثم جعله مؤكدًا واجبًا.