فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 215

وهذا ظاهر أيضًا في كلام الله جل وعلا، كما في قوله سبحانه وتعالى: فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2] والاعتبار لا يكون إلا بمقارنة مجموعة أشياء؛ ليخرج الإنسان بنتيجة جامعة بينهما، كأن يعتبر الإنسان بمصيبة غيره ليستفيد منها في نفسه؛ ولهذا يقال: اعتبر بفلان، أو اعتبروا بالذين سبقوا؛ وذلك لوجود المشابهة من بعض الوجوه، وهذا نوع قياس، وذلك أننا ألحقنا في الفرع حكمًا استنبطناه من الأصل، على اختلاف وتباين في درجة الاستنباط والقياس. وأما من رد القياس كالظاهرية وغيرهم، فقالوا: إن الله عز وجل أمرنا بالرجوع إلى رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل الله عليه قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [المائدة:3] ، فما لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم معتبرًا، فليس في الأزمنة المتأخرة أيضًا اعتبار له. ويستدلون أيضًا بقول الله جل وعلا: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38] ، قالوا: الله جل وعلا لم يفرط في الكتاب من شيء، فقد جاءت فيه جميع الأحكام. ولكن هذا فيه نظر، وإنما المراد بذلك أصول الدين، وكذلك فروع الإسلام الثابتة، وجاءت أيضًا بأصول الدلالات، فجاء أصل الإجماع، والاعتبار به. وكذلك أيضًا جاء بذلك فيما يتعلق بالسمع والطاعة مثلًا لولي الأمر، وهذا مجمل، فإذا أمر بشيء مباح وجب أن يطاع، وهذا تأصيل للقاعدة، فلا يقال: إنه لا بد في كل مأمور يأمر به ثبوته في الشريعة؛ باعتبار أن الله ما فرط في الكتاب من شيء، وهذا فيه ما فيه، فالشريعة جاءت بالأصول العامة، كذلك أيضًا في أبواب الأدلة فيما يتعلق بالقياس. ولابن حزم رسالة في إبطال القياس، وقد رد عليه الذهبي رحمه الله في رسالة له، ونقض أدلته، وابن حزم الأندلسي رحمه الله يرد غالبًا القياس الخفي بجميع أنواعه، وكذلك بعض صور الجلي، ويقبل قياس الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت