يقول: (فالأصول قول المجتهد) ذكر بعد هذه المقدمة أنه سيشرع الآن في تفصيل المقصود، وفصل الخطاب يعني: ينفصل خطابي السابق عن اللاحق بمعانٍ جديدة؛ ولهذا لا حرج على الإنسان أن يأتي بـ (وبعد) بعدة مرات إذا فصل المعاني، وجعلها منفكة، فيقول: وبعد، ثم يأتي بكلام ثم يقول: وبعد، ولا حرج عليه، أو يقول: ثم بعد، أو ثم أما بعد، لا حرج على الإنسان أن يأتي بها، وهنا ذكر (وبعد) بعد أن ذكر حكمة الإسلام في إحكامه الأدلة، وكذلك أيضًا رجوع الإنسان إليها، والبداءة بالبسملة، والتيمن بها، والحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (وبعد) أي شرع في المقصود. قال: (فالأصول قول المجتهد) الأصول المراد بها: أصول الفقه، وهي مركبة من لفظين، أصول وفقه، والأصول أي هي: الأسس، وهي ما يبنى عليها غيرها، وأما الفقه فالمراد به: الفهم؛ ولهذا قال قوم شعيب لشعيب: مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ [هود:91] يعني: لا نفهم، والمراد بالفقه هو: فهم الشيء، وغالب الفقه والفهم يلحق بالشيء النظري الذي يلزم منه نظر، وأما الضروري فإنه لا يسمى فقهًا؛ لأنه لا يحتاج إلى تفقه، وهذا في الغالب؛ ولهذا قال جل وعلا في كتابه العظيم: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ [الأنبياء:79] والمراد بذلك: أن الإنسان لا يفهما بداهة حتى يتسلسل بشيء من المدارك فيصل إلى معرفة ذلك المعلوم، وعلم الأصول هو: معرفة الأدلة والأحكام العملية المكتسبة بأدلتها التفصيلية.