فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 215

فالعلم الضروري لا يسمى فقهًا باعتبار أن صاحبه لا يسمى فقيه مهما استكثر من ذلك؛ لأن معرفته في ذلك بداهة، وإنما الفارق في ذلك هو بين العاقل وغير العاقل، فكل عاقل لديه علم ضروري، وهذا أمر يتباين أيضًا حتى في البهائم، فالبهائم لديها علم ضروري ولديها عقل، ولكنه عقل خاص بها، فهذه المسألة نسبية، فالبهائم عالمة عارفة عاقلة بحالها، والإنسان بالنسبة لها بهيم، وهي بالنسبة للإنسان بهيمة، فنسميها بهيمة بالنسبة لنا، وأما نحن بالنسبة لها فنحن أيضا بهائم؛ ولهذا النملة حينما جاءها سليمان ماذا قالت؟ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [النمل:18] ، يعني: لا يدركون ما يقع فيكم من ضر، أنت حينما تأتي بهيمة إلى دارك أو نحو ذلك وأراد ابنك إلحاق أذية بها فإنك تقول: دعها فإنها بهيمة لماذا؟ لأنها لا تعرف مقاصدك أنت، فلها مقاصد في ذاتها خاصة بها. والبهيمة تعلم شيئًا من أحوالها لا يعلمه الإنسان؛ ولهذا يقع لديها التكليف، فالبهائم مكلفة في الحقوق التي بينها، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في الصحيح (لتؤدن الحقوق إلى أهلها، أو ليقتصن الله من الشاة القرناء للشاة الجماء) ، فالبهائم حينما تتناطح فإنما تتناطح في حق بينها حتى في المطعم، وإذا أكلت نباتًا واعتدت عليها الأخرى بأكلها من حياضها فلم تأكل مما يليها فهذا نوع من التعدي، فيأخذ الله عز وجل للجماء من القرناء، فالله سبحانه وتعالى لا يكلف مخلوقًا إلا بعلم سابق، فلا يكون ثمة علم سابق للبهائم أن ثمة حدود، وهذه الحدود لا تعلم بالفطرة، وإنما تعلم بشيء من الوحي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت