إذًا: إطلاق النظر في محسوس يسمى التخيل، وأما بالنسبة للمعقولات فإنه يسمى النظر، وهذا يدخل فيه أبواب السبر سواء كان الذهني أو كان المحسوس، فالإنسان إذا أراد أن يتفكر بشيء فيجمع أجزاءه؛ حتى يخرج بنتيجة، فهذا هو العلم الضروري، كأن تقول للإنسان: إن خمس نصف العشرة واحد، فهذا يحتاج إلى نظر، لكن أن تقول: واحد زائد واحد يساوي اثنين هذا ضروري، أو تقول: إن الكل أصغر من الجزء، أو إن السماء فوق الأرض، أو الأرض تحت السماء، فهذا أمر ضروري لا يحتاج إلى نظر، ولكن هذا التقسيم هو بالنسبة للمؤدى المستقر في أذهان الناس، والناس يتباينون في ذلك باعتبار أنه لا يوجد علم في الإنسان إلا وهو مكتسب، فالإنسان أخرجه الله عز وجل من بطن أمه لا يعلم شيئًا، فعقل الإنسان هو كحال المرآة يلتقط هذه المعلومات، ثم يقوم بقياسها وتأليفها مع بعضها، فهو خالي من كل شيء، وهذا العلم الضروري الذي تحصَّل لديه من أن واحد زائد واحد يساوي اثنين لم يتحقق لديه أصلًا إلا بنظر سابق، ولكن نستطيع أن نقول: إنه لا يمكن أن يكون ثمة شيء ضروري في الإنسان إلا وسبقه نظري، إلا في الأشياء النادرة التي يشترك فيها الإنسان مع البهيمة، كالحزن وكذلك أيضًا البكاء ومشاعر الإنسان ونحو ذلك؛ ولذلك تجد البهيمة تدرك من حالها ما ينفعها من أول وضعها؛ مما يدل على عدم وجود اكتساب، فهي تتبع أمها، وهذا شيء يتعلق بالعاطفة وجد معها ابتداء.