بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعالى ما يتعلق بالأحكام التكليفية، أورد هنا ما يتعلق بالأحكام الوضعية، وهي على نوعين: الصحيح والفاسد، ومن العلماء من يقول: إن الفاسد هو ضد أو قسيم للباطل، فيكون ثمة: صحيح وفاسد وباطل، والأحكام التكليفية -وهي ما تقدم الإشارة إليه بالواجب والمندوب والمباح والمحرم والمكروه- تتعلق بمجموع أفعال العبادات، فيجمع الإنسان فيها الواجبات مما شرعه الله عز وجل، وهي أشياء كثيرة على سبيل اللزوم والدوام، وأوصاف بعينها تقع على صور بعينها قد دل الدليل عليها، وأما بالنسبة للصحيح والفاسد فإنه متعلق بغيره، لا يكون لازمًا على صفة بعينها مشروعة، وإنما هو ما كان خارجًا عن حكم الشرع، والفاسد لا يمكن للإنسان أن يحده بحد، وذلك أن أسباب الفساد لا يمكن حصرها، وأما أسباب الصحة فيمكن حصرها، فالإنسان يأتي بالصلاة فيأتي بشروطها وواجباتها وأركانها وسننها فهذه هي الصلاة، والمبطل لها لا حد له ولا حصر، فيضبط من جهة الأحكام التكليفية، وأما من جهة أسباب الفساد فذاك باب عريض. قال رحمه الله تعالى: [ما باعتداد أو نفوذ قد وصففهو الصحيح ضده بطلًا عرف] .بالنسبة للصحيح والفاسد فإن نتيجة الصحة والفساد هي الاعتداد ويقابله النفاذ، الاعتداد يكون في العبادات، والنفوذ يكون في العقود؛ ولهذا فإن العبادة الصحيحة نافذة، والعبادة الصحيحة معتد بها، والعقد الصحيح نافذ، وإذا تعاقد المتبايعان على صورة معينة فيقال حينئذٍ: قد نفذ العقد بينهما، وإذا أدى الإنسان عبادة بكامل شروطها وواجباتها فإنه يقال: إن هذه العبادة صحيحة. ولهذا نقول: إن العبادة توصف بالصحة والاعتداد كما أنها توصف بالفساد وعدم الاعتداد، وأما بالنسبة للعقود فتوصف بالصحة والنفاذ، أو البطلان وعدم النفاذ، لهذا نقول: إن هذه العبادة معتد بها صحيحة، أو عبادة فاسدة غير معتد بها، وذاك عقد صحيح نافذ، وذاك عقد فاسد ليس بنافذ، هذا ما يتعلق بالعبادة.