وأما بالنسبة للجنون النسبي هل يقع معه تكليف لأنه يوجد من الناس من به شيء أو جذوة من الجنون، أو به نوع سفه وفيه إدراك؟ وهذه مسألة تكلم فيها المعتزلة، وتكلم بها أيضًا الفلاسفة القدامى من الجاهليين الرومان واليونان ونحو ذلك، أن عقل الإنسان ينبغي أن ينزل عليه الثواب والعقاب بحسب إدراكه للخطاب المتوجه إليه، فإذا كان إدراكه في ذلك تامًا نزل عليه العقاب في حال المخالفة تامًا، وإذا كان إدراكه في ذلك ضعيفًا فإن العقاب يكون عليه ضعيفًا، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العظيم: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] قيد الله جل وعلا العقاب ببعث الرسول، والرسول لا يبعث إلى المجنون، ومن لم يكن من أهل التكليف لم يكن من أهل الخطاب ابتداء؛ لهذا نقول: إن المجنون الذي يرفع عنه القلم ولو أدرك شيئًا من المعاني فإن ذلك خارج عن التكليف، وإن كان في طبائع البشر أنهم ينزلون العقوبة على من فيه إدراك يسير، ومن سلب الإدراك بالكلية لا تنزل عليه العقوبة؛ وهذا موجود حتى في فطر الناس، فأفعال المجانين مسلوبي الإدراك بالكلية لا يقع فيها الغضب بل يقع فيها الرحمة؛ فإن المجنون إذا أتلف شيئًا يرحم ويشفق عليه، وكلما زاد عقله يؤاخذ؛ ولهذا المجنون هو الوحيد الذي لا عدو له، وكلما زادت نسبة العقل زاد خصومه وأعداؤه، ومن رام حياة بلا خصوم فليعلم أنه مجنون؛ لأنه كلما زاد ذكاؤه زاد خصومه، وهذا أمر يدرك بالحس، ويدرك أيضًا بالواقع. والسهو وهو شريك في الغفلة العارضة في مسألة النوم والصبي، فيجري القلم على النائم في حال استيقاظه، والصبي في حال بلوغه.