فهرس الكتاب

الصفحة 1004 من 1021

وكان - صلى الله عليه وسلم - الأسوة العظمى في الإقبال على الآخرة وترك الدنيا وعدم الالتفات إليها أو الفرح بها، أو جمعها أو التلذذ بطيباتها أو التنعم بخيراتها، فلم يبنِ قصرا، ولم يدَّخر مالا، ولم يكن له كنز ولا جنة يأكل منها، ولم يخلف بستانا ولا مزرعة، وهو القائل:"لا نورَّث، ما تركناه صدقة". [أخرجه البخاري ومسلم] ، وكان يدعو بقوله وفعله وحاله إلى الزهد في الدنيا والاستعداد للآخرة والعمل.

وقد خُيِّر بين أن يكون ملِكًا رسولا أو عبدًا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ يشبع يوما ويجوع يوما، حتى لقي الله عز وجل.

ومن زهده في الدنيا سخاؤه وجوده؛ فكان لا يرد سائلا ولا يحجب طالبا ولا يخيِّب قاصدا، وأخبر أن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وقال:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" [أخرجه البخاري] . وقال:"الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما" [أخرجه الترمذي وابن ماجه] ، وقال:"ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" [أخرجه مسلم] . [1]

إذا علمنا هذا كله أدركنا أنها النبوة، وأن غير النبوة لا ترضى

حياة الجهد والمشقة والفاقة؛ مع هذا المُلك العريض

والسلطان الكبير والواردات الكثيرة.

عُرضَتْ عليهِ الدنيا فأعرضَ زاهدًا ... يبغي مِنَ الأخرى المكانَ الأرفعا

ما جرَّ أثوابَ الحريرِ ولا مشى ... بالتاجِ مِن فوقِ الجبينِ مُرَصَّعا

وهو الذي ألبسَ الدنيا السعادةَ ... حُلَّةً فضفَاضَةً لَبسَ القميصَ مُرقَّعا

(1) محمد صلى الله عليه وسلم كأنك تراه: د. عائض القرني (بتصرف)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت