ومما يزيد في روعة هذا العمل الإنساني الذي عمله صلاح الدين في فتح بيت المقدس، أنه أرسل مع جماهير الغربيين الذين نزحوا من القدس لينضموا إلى إخوانهم من يحميهم ويوصلهم إلى أماكن الصليبيين في صور وصيدا بأمان؛ مع أنه لا يزال في حرب معهم!
ولولا أن الغربيين أنفسهم لا يكاد ينتهي عجبهم من نبل هذا البطل
الخالد وسمو أخلاقه؛ لكان مجالا لاتهام مؤرخينا بالمبالغة.
والغربيون أنفسهم هم الذين يذكرون عن صلاح الدين أنه بلغه مرض ريتشارد قلب الأسد -أكبر قواد الحملات الصليبية وأشجعهم- فأرسل إليه صلاح الدين طبيبه الخاص يحمل إليه العلاج والفواكه التي لا يمكن أن يحصل عليها ذلك القائد الصليبي؛ هذا والحرب بينهما مستعرة، وجيشاهما في صراع! [1]
مشاهدُ لو وعاها الحِسُّ كانت ... عبيرَ المِسكِ أو رِيحَ الخُزَامَى
قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161]
(وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) أي ما كان من شأن أي نبى ولا من سيرته أن يغل، لأن الله عصم أنبياءه منه؛ فهو لا يليق بمقامهم ولا يقع منهم؛ لأن النبوة أعلى المناصب الإنسانية، فصاحبها لا يرغب فيما فيه دناءة وخسة.
(1) من روائع حضارتنا للسباعي