المراد من الوجل القسم الثاني؛ فذلك لازم من مجرد ذكر الله، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار.
فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا: (وَجِلَتْ قلوبُهم) ، وقال في آية أخرى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ} [الرعد: 28] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضًا قال في آية أخرى: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد. والوجل إنما يكون من خوف العقوبة. ولا منافاة بين هاتين الحالتين. بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: {تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر:23] والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله.
(الذين إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قلوبُهم) أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية الله تعالى الانكفاف عن المحارم؛ فإن خوف الله تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب.
يعني فَزَعت لذكره استعظامًا له، وتهيبًا مِن جلاله وعزة سلطانه وبطشه بالعصاة وعقابه. وهذا الذكر خلاف الذكر في قوله: {ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23] لأن ذلك ذكر رحمته ورأفته وثوابه.