واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده، وأن
يقولوا: صدق الله ورسوله، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب: 12]
ثم نقول: هذا الكلام يفيد الحصر، ومعناه: أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم، وهذه الحالة مَرتبة عالية ودرجة شريفة؛ وهي أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله.
واعلم أن هذه الصفات الثلاث مُرَتَّبة على أحسن جهات الترتيب؛ فإن المرتبة الأولى هي: الوجل من عقاب الله. والمرتبة الثانية هي: الانقياد لمقامات التكاليف لله. والمرتبة الثالثة هي: الانقطاع بالكلية عما سوى الله، والاعتماد بالكلية على فضل الله، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى.
(وعلى ربِّهم) وحده لا شريك له (يتوكلون) أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن اللّه تعالى سيفعل ذلك.
والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به.
(وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) عليه وحده .. كما يفيده بناء العبارة. لا يشركون معه أحدًا يستعينون به ويتوكلون عليه .. أو كما عقب عليها الإمام ابن كثير في التفسير:"أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه"