وهذه المناقشة القرآنية لزعمهم بألوهية مريم تماثل مناقشتهم في تأليه الأحبار والرهبان: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
حيث قال عدي ابن حاتم -وكان نصرانيًا- لما سمع الآية: إنا لسنا نعبدهم .. ! فيرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (( أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟! ) )، فيقول عدي: بلى. فيرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: (( فتلك عبادتكم إياهم ) ) [1] .
وفي قياس الزواج على الولادة يأتي مقتضي التجانس بين طرفي التزاوج وهو الأمر الذي يتفق مع بدعة ادِّعاء الولد عندهم إذ أنهم يقولون بألوهية مريم وقد سبق تفصيل هذا القول ..
وقد أثبت القرآن حتمية التجانس في التزاوج ليس فقط على مستوي الأنواع بل على مستوي فصائل النوع الواحد فقال سبحانه في سورة الأنعام: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّانِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأنعام: 143] .
فبين أن الأنعام ثمانية فصائل وأن كل فصيلة زوجين.
وللتأكيد على ها المعنى قالت الآية: {قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
ومن هنا كانت صفة التزاوج في الخلق هي أساس إثبات أن الله ليس كمثله شيء.
{فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (17/ 92) ، والبيهقي في السنن (10/ 116) كلاهما عن عدي بن حاتم.