كما أن قول الله لموسى عند طلبه رؤية الله دليل آخر على استحالة الاتحاد {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} [لأعراف: 143] .
ونفي الأنبياء لإمكانية رؤية المرء لله في الدنيا هو نفي لمماسته ببشر بطريق الأولى والأحرى، والناسوت المسيحي هو بشر، فإذا لم يمكنه أن يرى الله .. فكيف يمكنه أن يتحد به ويماسه ويصير هو وإياه كاللبن والماء، والنار والحديد، أو كالروح والبدن .. !!
ومن المعلوم أن الرؤية أيسر من الاتحاد به والحلول فيه، وأولى بالإمكان، فإذا كانت الرؤية في الدنيا قد نفاها الله ومنعها على ألسن رسله موسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم وسلامه- فكيف يجوز اتصاله بالبشر واتحاده به .. ؟!
وقد كان هذا هو السبب في أن يكون أول من يُذهَب بهم إلى النار: هم عباد الصليب .. [1] اتفاقا مع تجانس الجزاء مع العمل يوم القيامة ..
فوثنية الصليب جاءت من زاوية ادِّعاء الرؤية الحسية لله في الدنيا .. من خلال الأبعاد المتعددة للوجود الحسي من خلال عناصر التجسد السابق ذكرها، فنسبوا لله «الطعام والشراب» و «الرؤية العينية» و «الموت» و «الدخول في الزمان والمكان» .
وإذا ثبت امتناع التجسد على الله ووجوب الحجاب بين الله والبشر .. كان لا بد أن يكون الحاجب للبشر ليس من البشر، وهذا يبطل قول النصارى؛ فإنهم يقولون: إن الرب احتجب بحجاب بشري، وهو الجسد الذي ولدته مريم، فاتخذه حجابًا، وكلم الناس من ورائه.
والجسد الذي ولدته مريم هو من جنس أجسام بني آدم، فإن جاز أن يتحد به
(1) سبق تخريجه.