وما ذكروه من التقدم والسبق والتأخر بغير الزمان أمرٌ غير موجود ولا معقول، ولا يعرف في الوجود من فعل شيئًا وكان عِلَّةً فاعلةً له إلا وهو متقدم عليه، سابق له، ليس مقارنًا له في الزمان ألبتة، بل متقدم عليه تقدمًا زمانيًّا.
وكل من يعرف أنه سبب أو علة فاعلة فإنه متقدم على مُسَبَّبِه ومعلوله، لكن قد يكون متصلًا به ليس بينهما زمان آخر، فيقال: ليس هذا متأخرا عن هذا؛ أي: هو متصل به ليس بينهما فصل، ويقال: ليس ذلك متقدمًا على هذا؛ أي: ليس بينهما زمان، بل هو متصل به، إذ قد يراد بلفظ التقدم هذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، ليس منها من تقدمها ) ) [1] أي من كان قد تقدمها حتى لم يكن قريبًا منها لم يكن تابعًا لها، كما جاء في الحديث الآخر: (( الراكب خلف الجنازة، والماشي أمامها، ووراءها، وعن يمينها ويسارها، قريبًا منها ) ) [2] رواه أبو داود وغيره وهو أبين حديث روي في هذا الباب في هذا الحكم، ومنه قوله تعالى: {وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ} [يس: 40] أي: لا يتقدم عليه بحيث يكون بينهما انفصال، بل كل منهما متصل بالآخر.
والمقصود هنا: أن معرفة اللغة التي خاطبنا بها الأنبياء وحُمِل كلامهم عليها أمرٌ واجبٌ متعينٌ، ومن سلك غير هذا المسلك فقد حرَّف كلامهم عن مواضعه، وكذب عليهم وافترى.
فأهل الكتاب نقلوا عن الأنبياء أنهم تكلموا بلفظ الآب والابن، ومرادهم عندهم بالأب الرب وبالابن المصطفى المختار المحبوب، ولم ينقل أحد منهم عن الأنبياء أنهم سمُّوا شيئًا من صفات الله ابنًا ولا قالوا عن شيء من صفاته أنه تولد عنه، ولا
(1) أخرجه أحمد (1/ 394، 415، 419، 432) ، وأبو داود (2/ 223) ، والترمذي (3/ 332) ، وابن ماجه (1/ 476) جميعهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2) أخرجه أحمد (4/ 247، 248، 252) ، والترمذي (3/ 349) ، والنسائي (4/ 55، 56، 58) ، وابن ماجه (1/ 475) جميعهم من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.