فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 656

بين بداية الخلق ونهايته، فذكر القرطبي في تفسير قول الله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [لأعراف: 172] : (روح عيسى ابن مريم من تلك الأرواح التي أخذ الله عليها الميثاق في زمن آدم) .

وكما حسم القرآن بدعة ادِّعاء الولد لله من خلال إثبات أولية الله عز وجل .. حسمها أيضا من خلال إثبات العدم للخلق قبل الإيجاد .. وإثبات العدم للبشر قبل الخلق، حيث جاء هذا الإثبات من خلال قضية عيسى في سورة مريم: {أَوَلا يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شيئًا} [مريم: 67] .

وبذلك يتبين أن حسم قضية ادِّعاء الولد لا يكون إلا بمنهج الأنبياء، ولا يكون كذلك إلا بكلامهم وألفاظهم.

فلفظ «القديم» في اللغة المشهورة التي خاطبنا بها الأنبياء يراد به ما كان متقدمًا على غيره تقدمًا زمانيا، سواء سبقه عدم أو لم يسبقه، كما قال تعالى: {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ} [يس: 39] ، وقال تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ} [يوسف: 95] ، وقال الخليل: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ*أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ*فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 75 - 77] .

فلهذا كان القديم الأزلي الذي لم يزل موجودًا ولم يسبقه عدم أحقُّ باسم القديم من غيره.

وليس لأحد أن يجعل القديم والمتقدم اسمًا لما قارن غيره في الزمان لزعمه أنه متقدم عليه بالعلة، ويقول: إنه متقدم على غيره وسابق له بهذا الاعتبار، وإن ذلك المعلول متأخر عنه بهذا الاعتبار، ثم يحمل ما جاء من كلام الأنبياء وأتباع الأنبياء وعموم الخلق على هذا الاصطلاح لو كان حقًّا، فكيف إذا كان باطلا .. ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت