فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 656

وكمال ذلك أن يشهد ربوبيته في إلهيته، وإلهيته في ربوبيته، وحمده في ملكه، وعزه في عفوه، وحكمته في قضائه وقدره، ونعمته في بلائه، وعطاءه في منعه، وبره ولطفه وإحسانه ورحمته في قيوميِّته، وعدله في انتقامه، وجوده وكرمه في مغفرته وستره وتجاوزه، ويشهد حكمته ونعمته في أمره ونهيه، وعزه في رضاه وغضبه، وحلمه في إمهاله، وكرمه في إقباله، وغناه في إعراضه.

ومن هنا كان الربط بين الأسماء الحسنى وهذه الطبيعة كما قال ابن القيم:(وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر، فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر، فلا يحجبه التعبد باسمه «القدير» عن التعبد باسمه «الحليم الرحيم» أو يحجبه اسمه «المعطي» عن عبودية اسمه «المانع» أو عبودية اسمه «الرحيم والعفو والغفور» عن التعبد باسمه «العليم والبر» وأسماء اللطف والإحسان عن أسماء «العدل والجبروت والعظمة والكبرياء» ونحو ذلك.

وهذه طريقة الكُمَّل من السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها).

وهذا هو كمال العبودية المحقق لكمال الإنسانية، هذا الكمال الذي يوجب الحمد لله ..

وفي المقابل كان الخلل في قضية التعريف بالله لا يعني إلا الخلل في الطبيعة الإنسانية، إلى الحد الذي يصل إلى المسخ، ومن هنا جاء في سورة الأعراف: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والأنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون* ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 179 - 180] .

فذكرت الآيات الطبيعة المعوجة العاطلة الممسوخة في مقابل منهج تحقيق الطبيعة المستقيمة بالفهم الصحيح لأسماء الله الحسنى، حتى تبلغ هذه الطبيعة الغاية في الاستقامة والكمال في العبودية.

العقل، والقلب، والفطرة

إذن، فالإيمان يقوم على مرتكزات العقل والقلب والفطرة ..

وتفسير العلاقة بين هذه المرتكزات هو الذي يفسر أثرها جميعًا في تحقيق الإيمان ..

ونبدأ بعلاقة العقل بالقلب؛ لأنها أساس هذا التفسير ..

فعندما يصدق العقل بالحقيقة .. يرسلها إلى القلب لتستقر، مرورًا بالصدر الذي ينشرح لها فلا تَحيك فيه، فإذا استقرت الحقيقة في القلب يكون الاطمئنان والإيمان .. لأن الإيمان هو الاطمئنان.

وليكون أول مقتضيات ذلك .. التسليم العقلي بكل موجبات الإيمان.

ثم يكون عمل الجوارح بمقتضى سلطان القلب عليها .. وبذلك تكون علاقة العقل بالإيمان هي القناعة ابتداءً .. والتسليم انتهاءً .. فلا يكون تسليم بغير قناعة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت