فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 656

الابتداء .. ولا تشترط القناعة بعد التسليم في الانتهاء ..

وهناك حدٌّ فاصل بين قناعة الابتداء وتسليم الانتهاء، والخلط بين الأمرين خطر عظيم .. لأن هذا الحد هو حد التعريف بالله، وهو ما يقتضي القناعة وما تستلزمه من تفكر وتدبر .. ثم التسليم وما يصحبه من اطمئنان ويقين؛ ومن ثم تتحقق العبودية.

وهذا التصور تدخل فيه عدة اعتبارات:

«الاعتبار الأول» أن مرحلة التسليم في الانتهاء لا يجب أن يكون فيها ما يُناقض العقل، فيكون التسليم مختصًّا بما لا يبلغه العقل، مثل الغيبيات والأحكام التي لم تبلغ العقول إدراك الحكمة منها.

«الاعتبار الثاني» أن يكون التسليم أمام نصوص شرعية صريحة، ولا يكون أمام أقوال أو اجتهادات بشرية؛ لأن العقل من حقه رد الاجتهاد العقلي للآخرين.

وبهذين الاعتبارين تكلم ابن تيمية في العلاقة بين العقل والاعتقاد عند النصارى فقال: (معلوم عندهم -يقصد النصارى- وعند سائر أهل الملل أن الله موجود حي عليم قدير متكلم، لا تختص صفاته بثلاثة، ولا يعبر عن ثلاثة منها بعبارة لا تدل على ذلك، وهو لفظ الآب والابن وروح القدس، فإن هذه الألفاظ لا تدل على ما فسروها به في لغة أحد من الأمم، ولا يوجد في كلام الأنبياء أنه عبر بهذه الألفاظ عما ذكروه من المعاني، بل إثبات ما ادعوه من التثليث، والتعبير عنه بهذه الألفاظ هو مما ابتدعوه، لم يدل عليه لا شرع ولا عقل، وهم يدعون أن التثليث والحلول والاتحاد إنما صاروا إليه من جهة الشرع -وهو نصوص الأنبياء والكتب المنزلة- لا من جهة العقل، وزعموا أن الكتب الإلهية نطقت بذلك، ثم تكلفوا لما ظنوه مدلول الكتاب طريقا عقليًّا فسروه بها تفسيرًا ظنوه جائزًا في العقل؛ ولهذا نجد النصارى لا يلجئون في التثليث والاتحاد إلا إلى الكتب، وهم يجدون نفرة عقولهم وقلوبهم عن التثليث والاتحاد والحلول.

فإن فطرة الله التي فطر الناس عليها وما جعله الله في قلوب الناس من المعارف العقلية -التي قد يسمونها ناموسًا عقليًّا طبيعيًّا- يدفع ذلك وينفيه وينفر عنه، ولكنهم يزعمون أن الكتب الإلهية جاءت بذلك، وأن ذلك أمرٌ يفوق العقل، وأن هذا الكلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت