فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 656

طور وراء طور العقل، فينقلونه لظنهم أن الكتب الإلهية أخبرت به، لا لأن العقول دلت عليه، مع أنه ليس في الكتب الإلهية ما يدل على ذلك، بل فيها ما يدل على نقيضه.

ولا يُميِّزون بين ما يحيله العقل ويبطله ويعلم أنه ممتنع، وبين ما يعجز عنه العقل فلا يعرفه ولا يحكم فيه بنفي ولا إثبات .. فالرسل قد أخبرت بالنوع الثاني، ولا يجوز أن تخبر بالنوع الأول، فلم يفرقوا بين محالات العقول ومحارات العقول، وقد ضاهوا في ذلك من قبلهم من المشركين الذين جعلوا لله ولدا شريكا، قال تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30] .

ولما كان مستند النصارى هو ما ينقلونه إما عن الأنبياء وإما عن غيرهم ممن يوجبون اتباعه، كانوا إذا أوردوا على علمائهم ما يقتضي امتناع ذلك قالوا: (هكذا في الكتاب) .. و (بهذا نطق الكتاب) .. و (هذه الكتب جاءت بها الرسل) .. يعنون المؤيَّدين بالمعجزات، ويعنون بالرسل الحواريين، فاعتصامهم بها إنما هو لما ظنوه مذكورًا في الكتب الإلهية وإن رأوه مخالفًا لصريح المعقول؛ ولهذا ينهون جمهورهم عن البحث والمناظرة في ذلك، لعلمهم بأن العقل الصريح متى تصور دينهم علم أنه باطل، فدعوى المدعين أنَّا إنما قلنا: أب وابن وروح قدس؛ لتصحيح القول بأن الله حيٌّ ناطق- كذبٌ ظاهر .. وهم يعلمون أنه كذب.

وتصحيح القول بأن الله حيٌّ متكلم لا يقف على هذه العبارة، بل يمكنه تصحيح ذلك بالأدلة الشرعية والسمعية والعقلية، والتعبير عنه بالعبارات البينة كما يقوله المسلمون وغيرهم .. بدون قولنا: أب وابن وروح قدس .. !

وإذا جاز عدم بحث الإلهيات بالعقل لقال كل مبطل من الباطل، وما هو فوق العقل، فإذا سألتَ النصارى: هل تفقهون وتعقلون وتتصورون ما تقولون؟

فإن قالوا: لا .. ! قلنا لهم: أنتم تقولون على الله ما لا تعلمون، وما ليس لكم به علم ..

وإن قالوا: نفقه ونعقل ونتصور .. ! قلنا لهم: بينوه لغيركم حتى يفقهه ويعقله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت