وقال في المزمور الثاني: قال لي الرب: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك .. سلني فأعطيك .. فقوله: (ولدتك دليل على أنه حديثٌ غير قديم، وكل حادث فهو مخلوق، ثم أكد ذلك بقوله «اليوم» فَحَدَّ باليوم حدًّا لولادته أزال به الشك في أنه ما كان قبل اليوم، ودل بقوله: سلني فأعطيك على أنه محتاج إلى المسألة غير مستغنٍ عن العطية ..
فهذا ما حضرنا من الآيات في تصحيح خلق المسيح وعبوديته، وبطلان ما يدعونه من ربوبيته، ومثله كثير في الإنجيل لا يُحصى، فإذا كانت الشهادات منه على نفسه، ومن الأنبياء عليه، ومن تلاميذه بمثل ما قد بيَّناه في هذا الكتاب، وإنما اقتصرنا على الاحتجاج عليكم من كتبكم، فما الحجة فيما تدعونه له؟! ومن أي جهة أخذتم ذلك؟! واخترتم الكلام الشنيع الذي يخرج عن المعقول وتنكره النفوس وتنفر منه القلوب .. الذي لا يصح بحجة ولا قياس ولا تأويل .. على القول الجميل الذي تشهد به العقول وتسكن إليه النفوس ويشاكل عظمة الله وجلاله .. ؟!
وإذا تأملتم كل ما بيناه تأمُّل إنصاف من أنفسكم وإشفاق عليها .. علمتم أنه قول لا يحتمل أن يتأول فيه للناسوت شيئًا دون اللاهوت ..
فإن قلتم: إنه يثبت للمسيح البنوة بقوله: أبي وأبيكم .. ويا أبي .. وبعثني أبي .. قلنا: فإن كان الإنجيل أُنزل على هذه الألفاظ لم تبدل ولم تغير، فإن اللغة قد أجازت أن يسمى الولي ابنًا، وقد سماكم الله جميعًا بنيه وأنتم لستم في مثل حاله .. !!
ومن ذلك: أن الله عز وجل قال لإسرائيل في التوراة: أنت ابني بكري ..
وقال لداود في الزبور: أنت ابني وحبيبي ..
وقال المسيح في الإنجيل للحواريين: أريد أن أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم ..
فسمى الحواريين أبناء الله، وأقر بأن له إلهًا هو الله ..
ومن كان له إله فليس بإله كما تقولون .. فإن زعمتم أن المسيح إنما استحق الإلهية بأن الله سماه ابنًا فنلتزم ذلك ونشهد بالإلهية لكل من سماه ابنًا وإلا فما الفرق .. ؟!