فما الفرق .. ؟!
وهذه الأسباب التي ذكرناها كلها هي الأسباب التي تتعلقون بها في انتحالكم الربوبية للمسيح، وإضافتكم الإلهية إليه، وقد وصفناها على حقائقها عندكم، وقبلنا فيها قولكم، وإن كنا لا نشك في أن أهل الكتاب قد حرفوا بعض ما فيها من الكلام عن مواضعه، وأوجدناكم بطول ما تنتحلونه وفساد ما تتأولونه من الكتب التي في أيديكم: التوراة والزبور والأنبياء والإنجيل ..
فما الذي يثبت الحجة بعد ذلك لكم .. ؟!
وقد قال السيد المسيح في الإنجيل لتلاميذه لما سألوه عن الساعة والقيامة: إن ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفه أحد .. ولا الملائكة الذين في السماء .. ولا الابن أيضًا .. ! ولكن الآب وحده يعرفه، فهذا إقرار منه بأنه منقوص العلم، وأن الله تبارك وتعالى أعز وأعلم منه، وأنه خلافه وأعلى منه، وقد بَيَّن بقوله: «أحد» عمومه بذلك الخلق جميعًا ثم قال: ولا الملائكة .. وعندهم من علم الله ما ليس عند أهل الأرض، ثم قال: ولا الابن .. وله من القوة ما ليس لغيره .. وقوله: هذا شهادة واضحة عليه بأنه لا يعلم كل ما يعلمه الله، بل ما علَّمه الله إياه وأطلعه على معرفته وجعله له، وأنه لقصور معرفته بكل الأشياء ليس بحيث يصفونه من الربوبية وأنه هو الله ومن جوهر أبيه تعالى الله الخالق لكل شيء علوًّا كبيرًا ..
ولو كان إلها -كما يقولون- لعلم ما يعلمه الله من سائر الأشياء وسرائر الأمور وعلانيتها، إذا كان هذا المعنى ليس من الكلام الذي إذا سئلتم عنه تعلقتم بأنه قيل للناسوت دون اللاهوت .. )
قلت -أي ابن تيمية-: (مقصوده بذلك أنه صرح بأنه لا يعلمه أحد، ثم خص الملائكة بالذكر لئلا يظن أن أحدًا منهم يعلمه، فقال: ولا الملائكة الذين في السماء) .
ثم قال: (ولا الابن يعرفه، وأن الأب وحده يعرفه، فنفى معرفة الابن وأثبت أن الأب وحده يعرفه، ومراده بالابن المسيح، فعرف أن المسيح لا يعرفه، وأثبت أن الرب يعرفه دون الابن، ودل ذلك على أن لفظ الابن عند المسيح إنما يراد بها الناسوت وحده، إذ كان لا يجوز نفي العلم عن اللاهوت، فإن اللاهوت يعلم كل