الشيطان إلا ابن مريم وأمه )) [1] ، فهذا الحديث يؤكد نجاة مريم أيضًا من طعنة الشيطان، استجابة لدعاء أمها امرأة عمران {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} [آل عمران: 36] .
والحديث الآخر: (( كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب ) ) [2] يؤكد أنه لم يستثنِ أصلًا من إمكانية التعرض لتسلط الشيطان، بدليل أن الشيطان قد طعن بالفعل، ولكنه من جهة أخرى يثبت إعاذته من قِبل الله.
يقول الإمام القرطبي: (ولا يلزم من هذا أن نخس الشيطان يلزم منه إضلال الممسوس وإغواؤه، فإن ذلك ظن فاسد؛ فكم تعرَّض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والإغواء، ومع ذلك فعصمهم الله مما يرومه الشيطان، كما قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42] هذا مع أن كل واحد من بني آدم قد وُكل به قرينه من الشياطين؛ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمريم وابنها وإن عُصِمَا من نخسه فلم يعصما من ملازمته لها ومقارنته) .
أمَّا ما قيل بأنه «لم يخطئ» فهذا لم تأتِ به النصوص الثابتة، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من أحد من ولد آدم قد أخطأ أو همَّ بخطيئة ليس يحيى بن زكريا ) ) [3] ، فهذا يدل على إثبات هذه الخصوصية ليحيى وليس لعيسى، مصداقًا لقوله تعالى {أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين} [آل عمران: 39] .
نقل الإمام ابن كثير عن القاضي عياض في كتابه الشفاء: (اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان {حصورا} ليس كما قاله بعضهم إنه كان هيوبًا أو لا ذَكَر له، بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا تليق بالأنبياء
(1) سبق تخريجه.
(2) سبق تخريجه.
(3) أخرجه أحمد (1/ 254، 291، 295، 301، 320) عن ابن عباس رضي الله عنهما.